رواية جديدة
التي كان يعتقدها سابقًا.
وبعد استكمال الإجراءات الرسمية، حصل حيدر على حقوقه المتعلقة بالأضرار التي أثبتتها التقارير، وتمت معالجة وضع مجرى المياه بصورة قانونية تمنع أي شخص من تغييره مرة أخرى دون موافقة الجهات المختصة.
ومع تحسن الأرض وعودة الإنتاج تدريجيًا، بدأ الوضع المالي للمزرعة يتغير.
لم يحدث ذلك بين ليلة وضحاها.
لكن موسمًا بعد موسم، عادت الأراضي التي كان حيدر يظن أنه سيخسرها إلى الإنتاج.
زرع جزءًا منها بالخضراوات.
وخصص جزءًا آخر للأعلاف.
كما أعاد تنظيم أماكن الأبقار حتى لا تضطر إلى السير في المناطق الموحلة كما كان يحدث في السابق.
وبدأت الديون تنخفض.
قسط بعد آخر.
حتى جاء اليوم الذي عاد فيه حيدر من البلدة يحمل آخر إيصال كان ينتظره منذ سنوات.
دخل المنزل.
كانت زينب جالسة إلى الطاولة.
وضع الورقة أمامها.
نظرت إليها ثم إلى والدها.
ما هذه؟
ابتسم حيدر.
آخر قسط.
اتسعت عيناها.
انتهت الديون؟
هز رأسه.
انتهت.
قفزت زينب من مكانها واحتضنته.
وللحظات، لم يقل أي منهما شيئًا.
كانت السنوات الماضية ثقيلة عليهما.
فبعد رحيل مريم، تحمل حيدر مسؤولية ابنته والمزرعة والديون وحده.
وكان يخشى في أوقات كثيرة أن يفقد الأرض التي ورثها عن والده.
لكن الأرض بقيت.
وبقي البيت.
وعادت المزرعة إلى الحياة.
وفي عصر ذلك اليوم، خرج حيدر مع زينب نحو الحظيرة.
كانت سمرة تقف تحت الظل.
تقدمت زينب منها وربتت على رأسها وقالت مبتسمة
وأنتِ يبدو أننا مدينون لك أيضًا.
ضحك حيدر.
اقترب من البقرة العجوز ووضع أمامها بعض العلف.
قال
تسعة عشر عامًا وأنتِ هنا، وفي النهاية كنتِ تعرفين مكان السر أكثر منا جميعًا.
نظرت إليه سمرة بهدوء، ثم عادت إلى طعامها.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت تحظى بعناية خاصة.
لم يعد حيدر يتعامل معها باعتبارها مجرد واحدة من أبقار المزرعة.
كانت بالنسبة إليه آخر رابط حي تقريبًا بينه وبين والده، والشاهد الصامت على سنوات طويلة من تاريخ الأرض.
ولم يعرف حيدر بشكل مؤكد لماذا كانت سمرة تذهب إلى العمود الرابع كل يوم.
ربما كانت تتذكر المكان من سنوات بعيدة.
وربما جذب انتباهها شيء في رائحة الأرض أو المياه الموجودة تحتها.
وربما كان الأمر مجرد عادة قديمة لم ينتبه إليها أحد من قبل.
لكن مهما كان التفسير، فإن وقوفها المتكرر هناك هو ما دفع حيدر إلى الحفر.
والحفرة قادته إلى الأنبوب.
والأنبوب قاده إلى دفتر والده.
والدفتر قاده إلى الصندوق.
أما الصندوق، فقد أعاد إليه حقيقة ظلت مدفونة تحت أرض المزرعة لعقود.
مرت الشهور.
وتغير شكل مزرعة النخيل.
المكان الذي كان مغطى بالمياه والطين أصبح أخضر من جديد.
وعادت المحاصيل إلى الجزء الشمالي الشرقي.
وكان حيدر يقف أحيانًا عند أطراف الأرض وقت الغروب، ينظر إلى الحقول ويتذكر كلمات والده القديمة
إذا عطشت هذه الأرض يومًا فلا تبحث عن الماء فوق الأرض.
بعد كل تلك السنوات، فهم أخيرًا ما كان والده يقصده.
لم يكن يتحدث عن الماء فقط.
كان يترك له طريقًا إلى الحقيقة.
وفي أحد الأيام، وقفت زينب بجوار والدها وهي تنظر إلى الأرض وقالت
أبي، هل كنت ستبيعها فعلًا لو لم نجد الصندوق؟
ظل حيدر صامتًا قليلًا.
ثم قال
ربما كنت سأضطر إلى بيع جزء منها.
نظرت نحو الحقول وقالت
إذن سمرة أنقذت المزرعة.
ابتسم حيدر.
يمكننا أن نقول إنها جعلتنا ننظر إلى المكان الصحيح.
ثم الټفت نحو البقرة العجوز التي كانت تسير ببطء بالقرب من الحظيرة.
لم تعد تذهب إلى العمود الرابع كما كانت تفعل من قبل.
وكأن الشيء الذي كان يجذبها إلى ذلك المكان قد انتهى بمجرد فتح المجرى.
ومرت السنوات الأخيرة من حياة سمرة في هدوء داخل المزرعة.
وفر لها حيدر الرعاية والطعام والراحة، ولم يسمح لأحد بأن يتعامل معها بقسۏة أو إهمال.
وكانت زينب تقول لكل من يسأل عنها
هذه ليست مجرد بقرة عجوز هذه صاحبة الفضل في اكتشاف سر المزرعة.
وكان حيدر
يبتسم كلما سمعها.
أما الحاج كاظم، فلم يعد يأتي إلى المزرعة ليعرض شراء الأرض.
انتهى ذلك الحديث تمامًا.
وأصبحت الحدود ومسارات المياه موثقة وواضحة، ولم يعد هناك مجال لإخفاء ما كان يحدث تحت الأرض.
وبالنسبة إلى حيدر، لم يكن أهم ما خرج به من القصة المال أو تحسن قيمة الأرض.
بل شعوره بأنه استطاع الحفاظ على الشيء الذي تركه له والده.
الأرض التي كادت الديون والمياه الراكدة أن تجبره على التخلي عنها، أصبحت من جديد مصدر رزق له ولابنته.
وفي كل موسم جديد، كانت الحقول الخضراء تمتد أمام البيت الريفي، وكأن السنوات الصعبة لم تكن سوى فصل طويل انتهى أخيرًا.
وهكذا تغيرت حياة حيدر وزينب.
لم يعودا يستيقظان كل صباح وهما يفكران في الديون أو في الجزء التالي الذي قد يضطران إلى بيعه.
عادت الطمأنينة إلى البيت.
وعادت الحياة إلى الأرض.
وعاد الماء إلى مجراه الصحيح.
أما السر الذي بقي مدفونًا لعشرات السنين، فقد ظهر أخيرًا بسبب تصرف بسيط لم يفهمه أحد في البداية
بقرة عجوز
كانت تترك القطيع كل يوم.
تسير إلى الركن الشمالي الشرقي من المزرعة.
تقف أمام العمود الرابع.
وتنظر إلى الأرض.
مرة بعد مرة.
حتى قرر حيدر في أحد الأيام ألا يتجاهلها.
فحفر.
وكانت تلك الحفرة الصغيرة بداية اكتشاف غيّر مستقبل المزرعة كلها.
وبقي حيدر بعد ذلك يؤمن بأن بعض الأشياء التي تبدو بسيطة أو غريبة قد تحمل وراءها قصة أكبر مما نتخيل.
فالحقيقة قد تبقى مخفية سنوات طويلة
لكنها، مهما طال الزمن، قد تجد في
النهاية طريقها إلى النور.
تمت.