رواية جديدة
ساد الصمت في مزرعة النخيل.
ظل حيدر العبيدي منحنيًا بالقرب من العمود الخشبي الرابع، وعيناه مثبتتان على طرف الصندوق الحديدي القديم الذي ظهر للتو من تحت التراب، في المكان نفسه الذي ضړبته سمرة بحافرها.
أما الحاج كاظم الجبوري، فما إن رأى الصندوق حتى تغيرت ملامح وجهه.
لم يقل شيئًا.
استدار بسرعة، واتجه نحو سيارته.
راقبه حيدر وهو يفتح الباب ويصعد إلى السيارة، ثم يغادر المزرعة دون أن يلتفت خلفه.
كان تصرفه وحده كافيًا ليؤكد لحيدر أن الأمر أكبر بكثير من مجرد أنبوب قديم مدفون تحت الأرض.
عاد بنظره إلى الصندوق.
كانت سمرة لا تزال واقفة بجواره في هدوء غريب.
اقترب حيدر منها قليلًا، ثم قال
ماذا وجدتِ يا سمرة؟
بالطبع لم تتحرك البقرة ولم تجبه.
لكن عينيها بقيتا متجهتين نحو الأرض.
جثا حيدر على ركبتيه، وأخذ يزيل التراب بيديه من حول الصندوق.
كان مدفونًا بعمق أكبر مما توقع.
أحضر المجرفة وبدأ يحفر بحذر حتى تمكن بعد عدة دقائق من تحرير جوانبه بالكامل.
أمسك بالمقبض الحديدي وحاول سحبه.
لكنه كان ثقيلًا.
شد بقوة أكبر.
وبعد محاولتين، خرج الصندوق أخيرًا من التراب.
وضعه أمامه.
كان صندوقًا حديديًا صغيرًا، غطى الصدأ معظم سطحه، وعلى مقدمته قفل قديم بدا كأنه لم يُفتح منذ عشرات السنين.
جلس حيدر أمامه وهو يحاول فهم ما يحدث.
قبل أقل من ساعة، كان كل ما يشغل تفكيره هو سبب وقوف سمرة أمام ذلك العمود كل يوم.
أما الآن، فقد أصبح أمامه أنبوب حديدي مدفون، ودفتر قديم تركه والده، ورسالة غامضة تقول
لا تخبر كاظم بما وجدناه.
ثم ظهر هذا الصندوق.
والأغرب من ذلك كله كان رد فعل الحاج كاظم عندما رآه.
نهض حيدر وأحضر أداة لقطع الحديد من المخزن.
عاد إلى الصندوق، وثبت القفل جيدًا.
ضغط مرة.
لم ينكسر.
حاول مرة ثانية بقوة أكبر.
صدر صوت حاد من المعدن.
وفي المحاولة الثالثة، انكسر القفل وسقط على الأرض.
توقف حيدر لثوانٍ.
شعر بتردد غريب قبل أن يمد يده نحو الغطاء.
فهذا الصندوق ربما ظل مغلقًا أربعين عامًا.
وربما كان يحتوي على الإجابة التي حاول والده إخفاءها طوال تلك السنوات.
أمسك حيدر بالغطاء ورفعه ببطء.
صرّ الحديد القديم وهو ينفتح.
نظر إلى الداخل
وتجمد.
لم يجد أموالًا.
ولم يجد ذهبًا أو مقتنيات ثمينة.
بل وجد مجموعة من الأوراق القديمة ملفوفة بعناية داخل غلاف سميك لحمايتها من الرطوبة.
وتحتها كانت هناك خريطة كبيرة مطوية عدة مرات.
وبجوارها مفتاح نحاسي ضخم وثقيل، يختلف تمامًا عن أي مفتاح عادي.
مد حيدر يده وأمسكه.
كان طويلًا، وفي نهايته رأس معدني عريض.
ثم أخرج الأوراق.
كانت أول ورقة عبارة عن مخطط قديم للأرض.
فتحها فوق الصندوق.
كانت حدود مزرعة النخيل مرسومة بوضوح، وكذلك الأراضي الزراعية المجاورة.
لكن الشيء الذي جذب انتباهه فورًا كان خطًا طويلًا يمتد تحت الجزء الشمالي الشرقي من أرضه.
الجزء نفسه الذي عانى طوال أربع سنوات من تجمع المياه والطين.
وعند بداية الخط كانت هناك عبارة مكتوبة بخط قديم
مجرى العين القديمة.
شعر حيدر بقشعريرة تسري في جسده.
فتح الورقة الثانية.
كانت عبارة عن مخطط قديم لمسار المياه في المنطقة، يوضح وجود عين طبيعية ومجرى تحت الأرض كان يستخدم منذ سنوات طويلة لتغذية الأراضي الزراعية وتصريف المياه الزائدة بطريقة منتظمة.
بدأ حيدر يقارن بين الخريطة وبين الرسم الموجود في دفتر والده.
كان الخطان متطابقين تقريبًا.
ثم لاحظ علامة صغيرة بجوار العمود الرابع.
وبجانبها كلمة واحدة
المحبس.
نظر فورًا إلى المفتاح النحاسي الموجود في يده.
وبدأت أجزاء الحكاية تتجمع أمامه.
لكن بقيت ورقة أخرى في أسفل الصندوق.
كانت مطوية بعناية أكثر من بقية الأوراق.
فتحها.
وتوقف عندما تعرف إلى الخط.
كان خط والده.
بدأ يقرأ
ابني حيدر إذا وصلت إلى هذه الأوراق يومًا، فهذا يعني أنك وجدت المجرى القديم.
توقف حيدر للحظة.
شعر بأن صوت والده يعود إليه بعد كل