سر صنيه العشاء

موقع أيام نيوز

وُلدَا لأم واحدة، لكن سجل واحد اختفى. دخلنا في دوامة جديدة. وبعد أسابيع وصلنا لعنوان مكتوب في السجل. رحنا هناك. كانت عمارة قديمة. خبطنا على الباب. فتحت لنا امرأة في الخمسينات. أول ما شافتني، وشها اتغير. قالت إنتي مين؟ قلت اسمي مريم. قالت مين قال لك الاسم ده؟ قلت دي قصتي. سألتها عن يوم ولادتي. بدأت تبكي. وقالت أنا كنت الممرضة اللي كانت موجودة في الليلة دي. سألتها كان فيه طفل تاني؟ قالت أيوه. قلت بنت؟ قالت أيوه. توأمك. قلت فين؟ قالت اتاخدت من المستشفى بعد ساعات. مين خدها؟ قالت امرأة من العيلة. قلت خالتي؟ قالت لا. ورفعت عينها لأحمد. قالت أم زوجك. أنا حسيت إني فقدت القدرة على الكلام. حماتي؟ قلت مستحيل. الممرضة قالت كانت أم زوجك وقتها موجودة مع والدك. هي اللي وقعت على ورقة الاستلام. رجعت البيت وأنا مش قادرة أفكر. واجهت حماتي. كانت قاعدة ساكتة. قلت لها إنتي كنتي في المستشفى يوم ولادتي؟ قالت أيوه. قلت وإنتي اللي أخدتي أختي؟ قالت ما كنتش أعرف إنها أختك. قلت عملتي إيه؟ قالت أخذتها بناءً على طلب أبوك. قلت ليه؟ قالت لأن أمك الحقيقية كانت مريضة، وكان فيه خوف على الطفلين. أخذت واحدة لأسرة تانية عشان تحميها. قلت مين الأسرة؟ قالت ما أعرفش. قلت لكن الممرضة قالت إنك إنتي اللي سلمتيها. قالت أنا سلمتها لحد قال لي إنه مسؤول عنها. قلت مين؟ قالت رجل اسمه سامح. سامح كان اسم الرجل اللي كان مكتوب في نتيجة التحليل القديمة. فهمت وقتها إن القصة كلها متشابكة بطريقة أكبر من اللي تخيلنا. سامح كان أخو أمي. وكان هو اللي أخفى التوأم. بحثنا عنه، لكن اكتشفنا إنه ماټ من سنوات. ترك بنتًا واحدة. رحنا لبنته. أول ما شافتني، قالت إنتي شبهها. قلت شبه مين؟ قالت أمي. كانت أمي تعرف إن ليها أخت توأم. قلت فين أختي؟ قالت ما أعرفش. لكن كان عندي عنوان قديم لبيت في الصعيد. سافرنا. وهناك وجدنا امرأة اسمها سلمى. كانت في نفس سني تقريبًا. أول ما شافتني، سكتت. قلت لها أنا مريم. قالت وأنا سلمى. دخلنا البيت. في الحائط صورة قديمة لطفلة صغيرة. كانت صورتي. قلت دي أنا. قالت دي أنا. وقفنا قدام بعض. نفس العينين. نفس الابتسامة. نفس الشامة الصغيرة عند الحاجب. اتأكدنا إننا توأم. بكينا كتير. سلمى قالت طول عمري كانوا يقولولي إن أمي ماټت وأنا صغيرة، وإن أبويا هو اللي رباني. لكني كنت دايمًا حاسة إن فيه حاجة ناقصة. رجعنا البيت ومعانا أختي. حماتي كانت پتبكي لما شافتها. قالت أنا ظلمتكم. لكن سلمى قالت لها إنتي ما ظلمتيش نفسك، إنتي ظلمتي ناس كتير. حماتي طلبت السماح. سلمى ما ردتش. وأنا لأول مرة حسيت إن العيلة اللي كنت فاكرة إنها ضاعت، رجعت لي فجأة. أحمد وقف بعيدًا. قال لي أنا سعيد إنك لقيتي أختك. قلت له وإنت؟ قال أنا كنت بدور على زوجتي، ولقيت عيلتها كمان. ابتسمت. وبعد كل اللي حصل، فهمت إن أول ليلة في جوازي كانت بداية أسوأ شيء مررت به، لكنها كانت أيضًا بداية كشف أسرار دفنت سنين. المادة اللي وضعتها حماتي في الأكل كانت الشرارة، لكنها ما كانتش أقوى من الحقيقة. والخۏف اللي خلى أحمد يشوفني بصورة مرعبة ما قدرش يمحي السنين اللي عرفني فيها.
وفي النهاية، اتعالج أحمد، واتكشفت الخطة، واتحاكم كل شخص شارك
في الأڈى، وبدأت أنا وأختي حياة جديدة. أما حماتي، ففضلت تزورنا من بعيد، وكل مرة كانت تشوفني تسكت. وفي يوم قالت لي أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني. قلت لها أوقات الحماية لما تكون غلط بتتحول لأذى. قالت سامحيني. قلت لها أنا سامحتك عشان أقدر أعيش، لكن مش هنسى عشان ما أكررهاش. ومن يومها ما عدتش أخاف من المراية، ولا من نظرة أحمد، ولا من الماضي. بقيت أبص لنفسي وأقول أنا مريم. مش قرد، ومش ضحېة، ومش ورقة في ميراث، ومش سر في دفتر. أنا إنسانة عاشت خوف كبير وخرجت منه. وأحمد؟ بقى كل ما حد يسأله إيه أغرب حاجة حصلت لك في جوازك، يضحك ويقول مرة كنت فاكر إن مراتي قرد. لكن الحقيقة إني كنت أنا اللي أعمى. ما كنتش شايف مراتي، كنت شايف الخۏف اللي حطوه في دماغي. وفي آخر مرة قالها قدامي، بص لي وضحك وقال لكن الحمد لله رجعت أشوفها زي ما هي. وأنا وقتها فهمت إن بعض الحكايات بتبدأ بكذبة، وتكبر بالخۏف، وتتحول لكابوس، لكن مهما طال الليل، الحقيقة في الآخر بتعرف طريقها للنور. وده كان سر كل ليلة دخلة... مش مجرد حاجة اتحطت في طبق، لكن سلسلة أسرار بدأت من سنين، واتوارثتها العيلة من جيل لجيل، لحد ما وصلت لليلة فرحي. ولو كنت وقتها عرفت إن صنية العشا اللي دخلت بيها حماتي وهي بتضحك هي أول خيط في الحكاية كلها، كنت يمكن رفضت آكل منها. لكن يمكن برضه ما كنتش هعرف الحقيقة. يمكن كنت هعيش عمري كله وأنا فاكرة إن أمي هي أمي، وإن خالتي بتحبني، وإن أبويا ماټ مۏتة طبيعية، وإن أحمد بيبعد عني لأنه ما بقاش يحبني. لكن اللي حصل كشف كل شيء. علمني إن الإنسان أحيانًا بېخاف من الشيء الغلط، وإن أقرب الناس ممكن يخفوا عنك الحقيقة بحجة حمايتك، وإن أكبر خدعة ممكن تحصل مش إن حد يغير شكلك، لكن إنه يخليك تشوف نفسك بعين شخص تاني. أنا مريم، والليلة اللي بدأ فيها أحمد يشوفني قرد كانت أسوأ ليلة في حياتي، لكن بعد سنين لما افتكرتها، اكتشفت إنها كانت الليلة اللي بدأت فيها أشوف أنا نفسي على حقيقتها لأول مرة.

تم نسخ الرابط