رواية كامله
اللي كان قاعد في الكرسي القدامي، حاطط إيديه على بعض وبيفكر بتركيز. بابا... انت مين بجد؟
أبويا الټفت لي، وابتسم ابتسامة فيها حزن شديد. أنا أبوكي يا نور... أبوكي اللي بيحبك وبيحب إخواتك البنات. كل اللي عملته في حياتي، كل السرية والغش اللي عشت فيه، كان عشان أحميكم. شغلانتي في المخابرات الحړبية وإدارة العمليات الخاصة مكنتش تسمح لي أكون أب عادي. لما تقاعدت رسمياً من ست سنين، كنت فاكر إني هقدر أعيش حياة هادية، بس لمس الماڤيا والناس اللي زي سامح مابيسيبوش حد في حاله.
وسامح؟ انت كنت عارف إنه مچرم من الأول؟
ماكنتش عارف كل حاجة في البداية، أبويا أوضح. بس لما رأيت معاملته الجافة ليكي، وطمعه غير الطبيعي إنه يخلف ولد عشان يورثه إمبراطوريته على حد تعبيره، بدأت أبحث وراه. ولما نبشت، لقيت بلاوي. سامح مكنش مجرد مقاول... سامح كان واجهة لشبكة كبيرة لتهريب الآثار وتبييض الفلوس. وكان ناوي يستخدم إخواتك البنات كقطع شطرنج في صفقات زواج مع رجال أعمال فاسدين زيه عشان يقوي نفوذه.
دموعي نزلت من غير ما أحس. والبنات؟ ميار وسارة وشهد ورنا؟ هما فين دلوقتي؟
إخواتك في أمان تام، أبويا طمني وهو بيشاور بسرعة بإيده. من ساعتين، قبل ما أدخل عليكي الأوضة، رجالتي أمنوا البيت وأخذوا البنات ودلوقتي هما مستنيينا في المزرعة.
وصلنا للمزرعة بعد حوالي ساعة سفر. المكان كان عبارة عن بيت كبير محاط بأسوار عالية وأشجار كثيفة في منطقة عزبة بعيدة. البوابة الحديدية الضخمة اتفتحت تلقائياً، ودخلت عربياتنا. المكان كان متأمن بأحدث أنظمة المراقبة والحراسة، ورجالة مسلحين منتشرين في كل مكان بأسلوب غير لافت للأنظار.
أول ما نزلت من العربية، لقيت إخواتي الأربعة طالعين يجروا عليا. ميار الكبيرة 18 سنة حضنتني وهي پتبكي يا بابا! يا ماما! احنا كنا خايفين أوي! سامح كان طالع يزعق في البيت قبل ما يمشي وقال كلام يخوف!
أنا كويسة يا ميار... كلنا كويسين، قلتها وأنا بحضنهم واحد واحد. شهد ورنا الصغيرين كانوا بيبصوا للولد الصغير بفضول وفرحة هو ده أخونا؟
أيوة... ده أخوكم، قلتها وأنا ببتسم من بين دموعي.
أبويا جمعنا كلنا في الصالة الكبيرة. الصالة كانت دافية، وفيها مدفأة شغال بنور برتقالي هادي. حط التليفون الثريا على الطاولة، وبص لنا كلنا بجدية سامح دلوقتي في موقف المقيد. الأمن العام بالتعاون مع المخابرات بيداهموا مقراته ومخازنه في هذه اللحظة. هيتحول للمحاكمة پتهم تهريب، وغسيل أموال، وتشكيل عصابي. مش هينفد منها.
بس يا بابا، ميار سألت وهي خاېفة، هو مش هيقدر يوصل لنا هنا؟
أبويا ضحك ضحكة قوية وواثقة. يوصل هنا؟ المكان ده مش متسجل في أي مصلحة حكومية باسمي. ده ملجأ استراتيجي معتمد من الدولة. هنا انتو في أمان تام. ومن بكرة، إجراءات الطلاق والقضايا هتترفع، وشهادة ميلاد الولد هتتطلع باسمه الحقيقي وكرامته مرفوعة.
الجزء الخامس الفجر الجديد
عدت الأيام بسرعة. المستشفى اللي كانت شهد على أتعس وأخطر لحظات حياتي بقت مجرد ذكرى بعيدة. سامح اتقبض عليه بعد أربع وعشرين ساعة بس من ليلة الولادة، وهو بيحاول يهرب عبر الحدود البحرية باستخدام يخت خاص. الصور بتاعته وهو مقبوض عليه ومقيد بالإيدين ملأت الصحف والمواقع الأخبارية. الإمبراطورية المزيفة اللي بناها على حساب عرق الناس وخيانتهم اتنهارت زي بيت الكروت.
أنا والبنات والأخ الصغير اللي سميته فاروق على اسم أبويا عشنا في المزرعة أسبوعين هاديين جداً. لأول مرة من تسع سنين، حسيت بالأمان الحقيقي. مفيش صړاخ، مفيش إهانات، مفيش تقليل من قيمتي وقيمة