حماتي كانت كل ما أنشر غسيلي على البلكونة، أرجع بعد شوية ألاقي الهدوم كلها متشالة

موقع أيام نيوز

العياط.
لكن الست كملت جملتها
بس في شخص عمره ما هيسامحك.
الكل اتجمد. جوزي سألها
مين؟
الست بصت ناحية باب الشقة... وفي نفس اللحظة... سمعنا صوت خبط هادي.
ولما جوزي فتح الباب... لقى راجل واقف ماسك ملف قديم، وقال أول ما شاف حماتي
أنا جاي أستلم حقي... بعد سبعة وعشرين سنة.
بعد ما الكل افتكر إن القصة انتهت، وإني أخيرًا هرتاح... صحيت يوم على خبط جامد على الباب.
فتحت... لقيت ست كبيرة في السن، أول مرة أشوفها. بصتلي وقالت
إنتِ مرات ابنها؟
قلت باستغراب
أيوه.
طلعت صورة قديمة من شنطتها، ومدتهالي. أول ما بصيت فيها، اتجمدت. كانت الصورة لحماتي... وهي أصغر بكتير. وبجانبها نفس الست، وبينهم طفل صغيرة.
الست قالت بهدوء
أنا جاية آخد حاجة تخص بنتي.
استغربت وقلت
حضرتك تقصدي إيه؟
قالت
من خمسة وعشرين سنة، بنتي اختفت منها حاجة غالية جدًا... وكل الناس قالوا إنها ضاعت.
وفي اللحظة دي، خرجت حماتي من الأوضة. أول ما شافت الست... وشها فقد لونه. ورجليها خانتها، وقعدت على أول كرسي.
الست قربت منها وقالت
فاكراني؟
حماتي ما ردتش. بس دموعها نزلت في صمت.
الست طلعت ورقة قديمة، وحطتها على الترابيزة. وقالت
أنا ماجتش أعمل مشكلة... أنا جاية لأن في حاجة واحدة لسه عندك... ولو رجعت، هسامحك.
العيلة كلها بصت لبعض. جوزي سأل
إيه هي الحاجة دي؟
الست ردت وهي باصة مباشرة لحماتي
مش دهب... ولا فلوس.
وسكتت ثواني. ثم قالت
أنا جاية آخد جواب... جواب كتبته بنتي قبل ما ټموت.
الكلمة وقعت على البيت كله كالصاعقة. حماتي شهقت، وحطت إيديها على وشها. وقالت بصوت مخڼوق
لا... مستحيل تكوني عرفتي إنه عندي...
الراجل دخل بخطوات هادية، وحط الملف على الترابيزة. بص لحماتي وقال
افتكرتِ إني نسيت؟
حماتي ماقدرتش ترفع عينيها.
جوزي قال باستغراب
حضرتك تعرف أمي منين؟
الراجل فتح الملف، وطلع صورة قديمة. كانت الصورة لحماتي وهي واقفة قدام محل ملابس، ومعاها شاب صغير بيبتسم. وقال
أنا صاحب المحل ده... ومن سبعة وعشرين سنة كانت والدتك بتشتغل عندي.
العيلة كلها ركزت معاه. كمل كلامه
في يوم اختفى صندوق صغير من المكتب. كل الناس اتهموا العامل الجديد، واتطرد من الشغل، وحياته اټدمرت.
حماتي بدأت تبكي بصوت عالي. الراجل قال
بعد كام شهر... عرفت الحقيقة.
جوزي سأله بسرعة
إيه هي؟
رد وهو باصص لحماتي
الصندوق ماكانش اتسرق... كان مستخبي.
الكل بص لحماتي. قالت وهي مڼهارة
أنا... أنا اللي خبيته.
شهقة طلعت من كل اللي قاعدين.
الراجل كمل
لما لقيته بعد سنين، كنت مستني منها تيجي تعترف... لكنها اختفت من الشغل وماشوفتهاش تاني.
جوزي حط إيده على راسه، وقال
يعني راجل بريء ضاعت حياته بسببك؟
الراجل هز رأسه وقال
العامل ده ماټ من خمس سنين... وهو لحد آخر يوم كان بيقول إنه مظلوم.
ساد صمت ثقيل. حماتي كانت بتنتحب، وتردد
أنا السبب... أنا السبب.
ثم مدّ الراجل ورقة صغيرة نحوها وقال
أنا مش جاي أطالب بفلوس. جاي أطلب منك حاجة واحدة.
حماتي رفعت رأسها بصعوبة. قال
اكتبي اعتراف بكل اللي حصل، عشان أسلّمه لأولاد الراجل اللي ظلمناه. يمكن يعرفوا إن أبوهم كان بريئًا.
حماتي أخذت القلم... ونظرت إلى الورقة طويلًا... وقبل أن تكتب أول كلمة، رن هاتف جوزي.
رد، وفجأة تغيّر لون وجهه. قال بصوت مرتبك
إيه؟!... إزاي؟!... حاضر، إحنا جايين حالًا.
أغلَق الهاتف، ونظر إلينا جميعًا وقال
المستشفى اتصلت... بيقولوا إن في حد هناك بيسأل عن أمي بالاسم... وبيقول إنه يعرف سرًا أخيرًا محدش فينا يعرفه.
بعد المكالمة، جرينا كلنا على المستشفى. أول ما دخلنا، لقينا راجل عجوز نايم على السرير، وأول ما شاف حماتي ابتسم ابتسامة حزينة. قال
عرفت إنك رجعتي الحاجات لأصحابها... فقلت أموت وضميري مرتاح.
حماتي قربت منه وهي مش فاهماه. قال
فاكراني؟
بصت له ثواني... وفجأة حطت إيديها على بقها
أنت... عم حسن؟
هز رأسه
أيوه... البواب

القديم.
كلنا بصينا لبعض باستغراب. قال
من تلاتين سنة، كنت أول واحد اكتشف إنك بتاخدي الحاجات وتخبيها... لكني شفت في عينيكي وقتها خوف مش شړ.
وسكت لحظة، ثم كمل
قلت لأبو جوزك وقتها يوديكي لدكتور... لكنه خاف الناس تتكلم وقال مع الوقت هتبطل.
أبو جوزي نزل راسه وهو بيعيط. وقال
أنا غلطت... كنت فاكر إني بحمي سمعة البيت... لكني كنت بسيب المړض يكبر.
الراجل ابتسم وقال
كلنا غلطنا... وهي دفعت التمن، وإنتوا كلكم دفعتوا التمن معاها.
بعدها بساعات، خرجنا من المستشفى. حماتي بدأت رحلة علاج حقيقية، وكانت أول مرة في حياتها تعترف قدام الناس كلها إنها كانت مريضة، وإنها محتاجة مساعدة. خلال الشهور اللي بعدها، رجعت آخر حاجة كانت عندها لأصحابها، ولفّت بنفسها على كل بيت تعتذر. في ناس سامحتها... وفي ناس مقدرتش. وكانت بتتقبل ده، لأنها عرفت إن الاعتذار مش معناه إن كل الچروح هتختفي.
أما جوزي... فوقف قدامي وقال
أنا آسف... صدقت أي حد إلا إنتِ.
ومن يومها، وعدني إنه عمره ما هيحكم عليّ من غير ما يسمعني.
وبعد سنة كاملة... كنا قاعدين كلنا على السفرة. حماتي قامت، وابتسمت لأول مرة من غير خوف، وقالت
بقالى سنة كاملة... ما خدتش حاجة مش بتاعتي.
صفقنا كلنا.
وبصيت للبلكونة... لقيت الغسيل منشور في الشمس، بيتحرك مع الهوا... ولا حد قرب منه. وقتها ابتسمت، وعرفت إن المشكلة عمرها ما كانت في الغسيل... كانت في سر اتخبّى سنين، ولما ظهر، رجّع لكل واحد حقه... ورجّع للبيت راحته.
النهاية.

تم نسخ الرابط