رواية كامله
لنا البيت ده، وكل اللي نملك كان فيه. وكما عرفتي الآن، هو كتب نصيبكِ من قبل ما يمرض، وتركه مكتوبًا وموثقًا، عشان ما يختلف عليكم أحد بعدين. وكان وصيته لي واضحة إحفظي لبناتي حقوقهن، وكل واحدة تاخد نصيبها في الوقت المناسب.
سكتت قليلًا، ومسحت دموعها بكمّها، ثم أكملت بصوت مرتعش
لكن الأيام مرّت بمش ما كنت أتوقع. بعد ۏفاة أبوكِ بفترة، بدأت أكتشف أشياء ما كنتش أعرفها. عرفت إن عليه ديون كثيرة ما حكاش لي عنها أبدًا. ديون تراكمت عليه في السنين الأخيرة، لما حالته الصحية ساءت وما قدرش يعمل شغله. وكان فيه ناس جات تطالبني بالفلوس، وهددوني ياخدوا البيت من تحت إيدينا، ويشردوني أنتِ وأختكِ في الشارع.
هنا توقفت مرة أخرى، ونظرت إليّ نظرة مليئة بالندم والحزن، وقالت
كانت لحظة ضعف يا بنتي. لحظة خوف لم أتخيلها في حياتي. خفت أضيعكم، وخفت نخرج من البيت ده لا نملك شيئًا. وفكرت في حلٍ ظننتُ حينها أنه الصواب قلت لو أخفي ورقة ملكيتكِ، وأبقي البيت كله باسمي فترة، أقدر أتصرف فيه، أسدّد الديون، ونبقى في أمان. وكنت أقول لنفسي هذا مؤقت. بمجرد ما تتحسن الأحوال، أرجع أرد لها حقها وأعطها ورقتها. لكن الأيام جرت بسرعة، والسنين مرّت، وكل ما كنت أتأجل، كنت أغرق أكثر وأكثر في الكتمان. وكل ما كنت أقرّب الوقت لأقول لكِ الحقيقة، كنت أجده يبتعد أكثر، حتى صار بيننا وبينه جبلًا لا يمكن عبوره.
قلت لها وأنا أحاول استيعاب كل كلمة تقولها
يعني أنتِ خبيتي حقي عشان الديون؟ وين الديون دي؟ سددتيها ولا لسه؟
هنا تغير لون وجه أمي، وترددت في الكلام، وقالت بصوت خاڤت جدًا
الدين الأصلي سددته لكن بطريقة ما كنتش أتمناها أبدًا. لما كنت في أشد الحاجة للمساعدة، لم أجد أحدًا يقف بجانبي غير أخوكِ الكبير عمكِ اللي كنتِ تعتقدين إنه كان طيب معانا. هو اللي ساعدني في سداد الديون، بشرطٍ لم أستطع رفضه في تلك اللحظة.
إيه الشرط؟! سألتها بلهفة وقلبي يرتجف.
نظرت إليّ أمي نظرة کسيرة، وقالت
اتفق معي أن يبقى نصيبكِ مُجمدًا، ولا تُعطيه لكِ إلا بمعرفته وموافقته. وادّعى أنه يفعل ذلك لمصلحتكِ، عشان لا يضيعه منكِ أحد. وأنا وافقتُ خوفًا وجهلًا. ومرّت السنين، وهو كان يتابع كل شيء من بعيد، يأمرني وأنا أنفذ. ولما قررتِ تسألي عن حقكِ مؤخرًا، اتصل بي وقال لي لا تعطيه شيئًا الآن. أختكِ محتاجة أكثر منها.
فتحت عيناي پصدمة كبيرة، وقلت
يعني كل ده كان من ورايا؟ وأنتِ طوال السنين دي كنتِ تنفذي أوامره؟ واشتريتوا لأختي شقة من فلوسي؟ من نصيبي أنا؟
دموع أمي انهمرت بغزارة، واڼهارت وهي تقول
لم أكن أملك خيارًا يا بنتي! هو قال إن الشقة هدية من البيت كله، وإن نصيبكِ لسه محفوظًا لكِ. صدقتُه! صدقتُه وسلّمتُه أمري! وكلما حاولتُ أراجع نفسي، أجد نفسي قد تورطتُ أكثر فأكثر. حتى قرأتُ ما كتبه أبوكِ في تلك الورقة الأخيرة حينها عرفتُ أن الحقيقة لا بد أن تظهر، وأن ما فعلته كان خطأً كبيرًا لا يُغتفر. أبوكِ كان يحسّ بشيء! كان يحسّ أن الناس ستحاول يأخذوا حقكِ، لهذا ترك تلك الوصية الخفية، وكتب لي لا تعطها الورقة إلا إذا عرفت الحقيقة. وكأنه كان يقول لي إن عرفتِ الحقيقة فستعرفين لماذا فعلتِ ما فعلتِ، وستعرفين من كان وراء كل شيء!
بقيت ساكتة لحظات طويلة، وعقلي يدور في كل اتجاه. إذًا الموضوع مش مجرد تفضيل لأختي أو غيرة أو حب زائد الموضوع أعمق