رواية كامله
استمررتِ على موقفكِ ده فهو هاخدكِ ويسكن بعيدًا ومش هيشوفني تاني. يومها عرفت إن خسارتي لرضاه كانت أكبر بكثير من أي وعد أو أي حاجة كنت بفكر فيها. وعرفت إن اللي عملته كان غلط في حقكِ وحقه وحق ربنا قبل كل شيء.
بصت لي وقالت بكل صدق أنا آسفة. آسفة من كل قلبي. وإن قبلتي اعتذاري فأنا شاكرة ليكِ. وإن ما قبلتيهوش فأنتِ عندكِ كل الحق. وأنا مستحقة لما يصير لي.
بقيت متأملة فيها شويه. كلامها كان صادق. وندمها كان واضح. قلت لها أنا مش حابة أكون قاسېة. وأنا عارفة إن نيتكِ في البداية كانت مصلحة ابنكِ. بس الطريق اللي سلكتيه كان غلط. وكل غلط ليه نتيجة. والنتيجة هنا كانت إنك خسرتِ ثقتي وثقة ابنكِ في فترة. واسترداد الثقة ده محتاج وقت ومجهود مش كلام بس.
هزت رأسها موافقة أعرف. وأنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان تثقي فيا تاني. وعشان أثبتلكِ إنني اتغيرت.
قلت لها أنا أقبل اعتذاركِ. بس هنبدأ من جديد. صفحة بيضاء. وما بينا كلام قدام. وأنا واثقة إنك لو حاولتي تشوفيني زي ما أنا هتحبيني وتعرفي إنني كنت أتمنى أكون لكِ بنت زي ما أنا زوجة لابنكِ.
فرحت بكلامي ودموعها تزيد شكرًا شكرًا يا بنتي. والله ما هتندمي. أنا هعتبركِ بنتي من اليوم.
قامت وقربت مني وحضنتني. حضنة دافئة مليانة بالندم والحب. شعرت فيها بصدق مشاعرها. وكأن كل الحواجز اللي كانت بيننا ټنهار في تلك اللحظة.
الفصل الخامس البداية الجديدة
مرت الأشهر وكل شيء اتغير للأحسن. حماتي كانت حقًا اتغيرت. كل ما كانت تجيلي هدية كانت تسألني عن المقاس بالظبط، وتجيب لي ما يناسبني ويعجبني. وكل مرة كانت تقول لي أتمنى يعجبكِ يا بنتي بدل الجملة القديمة اللي كانت توجعني. وجوزي كان حريص كل الحرص على ألا يضايقني أي كلمة، وكان دائمًا يقف جنبي ويدافع عني لو احتجت لذلك.
ذات يوم كنت قاعدة مع حماتي في بيتها، بنتكلم ونضحك كأم وابنتها. فجأة قالت لي عارفة يا بنتي أبو أحمد لما وعدته كنت فاكرة إن الخير كلو في سارة. بس الحقيقة اتضحت لي بعد ما شفتكِ وعرفتكِ. ما كانش أبو أحمد يعرفكِ عشان يختارلكِ. وإن كان عرفكِ كان اختاركِ بنفسه. لأنكِ طيبة القلب، صابرة، كريمة، وتعرفي تاخدي القرار الصعب بكل حكمة وهدوء. ده أحسن من أي فلوس ونسب.
ابتسمت وقالت لها شكرًا يا طنط. الحمد لله اللي جمع قلوبنا.
بعد فترة جاء جوزي من الشغل، وعلّى وجهه ابتسامة جميلة. سلّم علينا وقعد جنبي، ومسك يدي وقال عندى ليكم خبر سار.
بصّينا له بترقب. قال أنا اتفققت مع سارة. اتقابلنا واتكلمنا. ووضحت ليها كل حاجة. وفهمت إن ما بينا ما كانش حب حقيقي، وإن جوازنا كان مجرد رغبة من الأهل. وهي كمان عاوزة تتجوز قريب، من إنسان اختارته بنفسها. واتفقنا إننا نفضل أصدقاء. وأهم حاجة إن الموضوع ده انتهى بكل سلاسة ومفيش حد يتضايق.
تنهدت حماتي براحة وقالت الحمد لله. الحمد لله اللي كشف الغمة وريّح البال. كل اللي كان بيحصل كان عشان خير كامن في الغيب. وربنا اختار لكم اللي فيه الخير.
بصّت لي وقالت كان لازم أحط نفسي مكانكِ يوم ما لبستي الطقم الضيق ده ووقفتي قدامي بكل شجاعة وكرامة. يومها شفت قدامي بنت أصيلة ما تقلل من نفسها عشان حد. وشفت إن ابني اختار بحق. وما كانش وعدة لزوجي تُقارن بسعادة ابني واختياره الصحيح.
في تلك اللحظة أدركت أن كل
ما حدث كان درسًا لنا جميعًا. درس في الصبر والكرامة والثقة بالله. درس في أن الجمال الحقيقي ليس في المقاسات ولا في الأشكال، بل في القلب والشخصية والصدق. ودرس في أن أحدًا لا يحق له أن يفرض علينا معاييره الخاصة، أو يقول لنا إننا لسنا جيدين بما فيه الكفاية.
لأننا نحن من نقرر قيمتنا. وليس أي شخص آخر.
والمشكلة لم تكن أبدًا في مقاسي. بل كانت في نظرة من حولي. ولما اتغيرت النظرة صار كل شيء جميلًا.