شفت ابنى
الفلوس اللي عليها لأمه. كل شهر، كان يروح بنفسه يزورها، ويوصلها جزء من المبلغ، ويقضي معاها يوم كامل. كانت الحاجة نوال بتستقبله بفرح، وكل مرة كانت بتعطيه هدايا لياسين بس دي المرة، كل هدية بتمر عليّ قبل ما يوصلها، وبفحصها كويس، وهي بتضحك وتقول حقك عليّ يا سارة، شكيكي في محله، وكل حاجة ليكي الأولية فيها.
العلاقة بيننا بقيت هادية، مبنية على الاحترام المتبادل والثقة اللي رجعت تبني حجر بحجر. ما كانتش العلاقة المثالية اللي ما فيها مشاكل أحيانًا نختلف، وأحيانًا نزعل بس أي مشكلة بتواجهنا، بنحلها بالصراحة والهدوء، من غير ما نخبي حاجات أو نكذب على بعض.
اليوم، كريم جاب معاه بطانية جديدة، اشتراها من أحسن المحلات، قطن طبيعي 100، معاها شهادة ضمان وفحص جودة. قدمها لياسين وقال
دي هدية بابا ليك يا حبيبي، تدفّيك في الشتا، وتنام بيها وأنت مرتاح ومطمئن.
بصيت للبطانية، وبصيت لكل حاجة حصلت في السنة اللي فاتت. تذكرت البطانية الحمرا القديمة، والسر اللي كان جواها، والخۏف اللي عشته لكن تذكرت كمان قوتي، وإنقاذي لابني، وقراري الصعب اللي حافظ على عيلتي من الضياع.
جتني رسالة على موبايلي من الحاجة نوال كل سنة وإنتوا طيبين يا سارة. ربنا يخليلكم ياسين، ويحفظكم من كل شړ. أنا عملت دعاء في الجامع النهارده، وقلت ربنا يكمل عليهم نعمه، ويديم بينهم المحبة. سامحيني تاني على كل حاجة.
دمعة صغيرة نزلت من عيني، ومسحتها بسرعة عشان محدش يلاحظ. رديت عليها وإنتِ طيبة يا طنط نوال. ربنا يتقبل منك. الحمد لله اللي جمعنا على خير.
رجعت بصيت للياسين اللي راح بيها البطانية لغرفته، وكريم جاني ووقف جنبي، وحط إيده على كتفي
تفكري في إيه؟
بفكر إن الأسرار لما بتتخبى، بتكبر وتتحول لسم يأكل كل حاجة حلوة حواليها. ولما تنكشف، بتكون مؤلمة وقاسېة لكنها الطريق الوحيد عشان نبدأ من جديد بقلوب نظيفة.
معاكي حق قالها وهو بيضمها لصدره والحمد لله اللي رزقني بيكي. أنتِ قلب العيلة، وأنتِ اللي حفظتيها من التهدم.
مرت السنين، وكبر ياسين، وبقى شابًا قويًا، متعلمًا، محبوبًا، ويعرف قيمة الصدق والصراحة من اللي شافه وسمعه. حماتي عاشت لحد ما وصلت لتسعين سنة، وماټت وهي راضية عن نفسها وعن عيلتها، وكريم كان بجانبها في لحظتها الأخيرة. وورثنا عنها حب الخير والندم على الخطأ والقدرة على العفو عند المقدرة.
وكل ما كنت أشوف بطانية، أتذكر الحكاية دي، وأقول لنفسي
الحب الحقيقي مش في الهدايا اللي نقدمها، ولا في الكلمات الحلوة اللي نقولها الحب الحقيقي هو إنك تحمي اللي بتحبهم من كل شړ، حتى لو كان الشړ جاي من أقرب الناس لهم. وإن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، فهي أفضل بكتير من أي سر ېقتل السعادة ببطء.