رواية كامله
الصندوق خلّى الكل يسكت.
في البداية كان مجرد تشويش
وبعدين ظهر صوت امرأة.
صوت أم نور.
محمود لو التسجيل ده اشتغل، يبقى أنا ماقدرتش أحمي بنتي.
نور حطت
إيدها على بوقها.
ماما
الحاج محمود قرب من الصندوق، ووشه امتلأ بالدموع.
التسجيل كمل
أهم حاجة متخليش ليان تعرف اسم الرجل اللي كان موجود ليلة ولادتها.
نور بصت للحاج محمود.
رجل؟ مين؟
لكن التسجيل كمل.
لأن لو عرفت اسمه، الناس اللي بتدور عليها هتسبقك ليها.
صوت التسجيل اتقطع لحظات.
ثم عاد.
والدها الحقيقي مش الشخص اللي هي فاكرة إنه والدها ومش الشخص اللي هي هتسمع اسمه من كمال.
فريد اتراجع خطوة.
سامح بص له.
إنت كنت عارف؟
فريد هز رأسه.
والله ما كنت عارف.
نور بدأت تبكي
طب مين أبويا؟
التسجيل لم يجب.
بدلًا من ذلك، صدر صوت أمها من جديد
يا محمود، لو اضطررت تغيّر اسمها غيّره. ولو اضطررت تخلي الناس تفتكر إنها ماټت اعمل كده. بس إياك تسلمها لكمال.
الحاج محمود أغمض عينيه.
نور التفتت إليه
إنت خليتني أعيش ٢٥ سنة باسم مش اسمي؟
عشان أحميكي.
من كمال؟
من ناس أخطر منه.
فجأة، سامح أشار إلى الصندوق.
استنوا.
كان هناك شيء آخر بداخله.
ظرف صغير ملفوف بقطعة قماش.
وعليه تاريخ قديم.
قبل ولادة نور بثلاثة أيام.
نور مدّت إيدها.
ده إيه؟
الحاج محمود قال بسرعة
سيبيه.
نور بصت له.
ليه؟
لأن أمك طلبت مني ما أفتحهش إلا لو ظهرت الحقيقة.
والحقيقة ظهرت.
الحاج محمود سكت.
نور فتحت الظرف.
في داخله ورقة واحدة وصورة.
الصورة كانت لثلاثة أشخاص أمام مستشفى قديم.
أم نور.
الحاج محمود.
ورجل رابع.
نور قربت الصورة من وجهها.
مين ده؟
فريد أخد الصورة.
أول ما شافها، وقع منه الظرف.
لا
سامح سأله
تعرفه؟
فريد كان بيحدق في الصورة كأنه شاف شبحًا.
ده مستحيل.
نور قالت
مين؟
فريد رفع عينه إليها.
ده والد كمال.
نور اټصدمت.
بس هو ماټ قبل ما أمي تتجوز بابا!
الحاج محمود قال
عشان كده الصورة دي كانت لازم تفضل مخفية.
سامح أخذ الورقة وقرأها.
ثم تغير وجهه.
محمود
إيه؟
سامح مد له الورقة.
اقرأ آخر سطر.
الحاج محمود قرأ.
وشه تحول للصدمة.
نور خطفت الورقة.
كان مكتوبًا
لو حدث لي شيء، لا تثقوا في محمود لأنه وحده يعرف من هو والد ليان الحقيقي.
نور رفعت عينيها ببطء.
ماما كتبت إنك تعرف.
الحاج محمود لم ينكر هذه المرة.
أيوه.
مين؟
سكت.
قول!
الحاج محمود بص لفريد.
ثم لسامح.
ثم لنور.
الحقيقة إن أبوكي الحقيقي
وفجأة انطفأ هاتف التسجيل.
ثم جاء صوت من خلفهم
متقولهاش يا محمود.
الكل استدار.
كانت إلهام واقفة.
لكنها لم تكن وحدها.
كان بجانبها رجل مجهول يحمل حقيبة سوداء.
إلهام قالت
لأن لو نور عرفت الحقيقة كاملة
ثم نظرت إلى نور مباشرة.
هتكتشف إن أبوها الحقيقي لسه عايش.
نور تجمدت.
فين؟
الرجل المجهول ابتسم.
وأخرج من حقيبته صورة حديثة.
مدها لنور.
نور أخذتها
وما إن رأت الوجه حتى شهقت.
لأن الرجل الموجود في الصورة
كان يشبهها بشكل مخيف.
وكان واقفًا بجانب أمها.
وتحت الصورة تاريخ حديث جدًا
منذ ثلاثة أيام فقط نور فضلت ماسكة الصورة، وعينيها ثابتة على وجه الرجل.
ده مين؟
إلهام ما ردتش.
الحاج محمود قرب منها، وبص للصورة، ثم قال بصوت مكسور
اسمه يوسف.
نور همست
أبويا؟
الحاج محمود هز رأسه.
أيوه أبوكي الحقيقي.
نور بدأت تبكي.
بس ليه كل السنين دي محدش قالي؟
الحاج محمود قال
لأن أمك قبل ۏفاتها اكتشفت إن يوسف كان مهدد بسبب أسرار تخص عيلة كمال. طلبت مني أخفيكي وأغير اسمك، عشان ما حدش يوصل لك من خلاله.
فريد قال
وأنا كنت فاكر إن يوسف ماټ.
الرجل الغريب فتح حقيبته وأخرج مستندات قديمة.
يوسف عاش بعيد عنكم كل السنين دي، وكان بيراقب نور من بعيد من غير ما يقرب منها، احترامًا لوعد قطعه لأمها.
نور سألت
طب ليه ظهر دلوقتي؟
جاء صوت من خلفهم
عشان خلاص مفيش سبب أخاف بعده.
الكل استدار.
كان الرجل الموجود في الصورة واقفًا أمامهم.
نور لم تتحرك.
يوسف اقترب منها ببطء، وعيناه امتلأتا بالدموع.
أنا أبوكي.
نور بصت له طويلًا.
ثم قالت
أنا مش عارفة أصدق.
يوسف هز رأسه.
ومن حقك.
وأخرج صورة قديمة لأمها وهي تحمل نور رضيعة.
دي أمك في آخر يوم شفتها فيه.
نور أخذت الصورة.
وفي ظهرها كانت جملة بخط أمها
لما تكبر، قولي لها إني كنت بحبها أكتر من خۏفي.
نور اڼهارت في البكاء.
الحاج محمود قرب منها.
أنا آسف يا بنتي.
نور بصت له.
إنت أخفيت عني أبويا لكنك ربيتني وحميتني.
الحاج محمود دمعت عينه.
كان ده كل اللي قدرت أعمله.
في تلك اللحظة، الشرطة قبضت على إلهام والرجل الذي معها، وبعد التحقيقات ظهرت الحقيقة كاملة.
التقارير الطبية كانت مزورة، ومحاولة إجبار الحاج محمود على التنازل عن ممتلكاته كانت جزءًا من خطة للاستيلاء على الأرض التي تركها والد نور لابنته.
أما كمال، فتم إثبات تورطه في إخفاء الحقيقة وتزوير مستندات قديمة، لكنه لم يكن قاټل أم نور كما ظن الجميع.
الحقيقة الأخيرة كانت أن أم نور ماټت بسبب حاډث مدبر، لكن الشخص الذي دبره كان قد ماټ منذ سنوات، بعدما ترك وراءه سلسلة من الأكاذيب التي جعلت العائلتين تعيشان في خوف وصمت.
بعد أشهر، تم رد حقوق الحاج محمود، واستعادت نور اسمها الحقيقي في أوراقها الرسمية.
أما يوسف، فلم يحاول أن يفرض نفسه عليها.
ترك لها الاختيار.
وفي يوم من الأيام، دخل الحاج محمود البنك نفسه الذي بدأت فيه الحكاية.
كانت نور بجانبه.
موظفة البنك ابتسمت وقالت
حفيدتك؟
الحاج محمود ضحك وقال
لأ.
وأشار إلى نور.
دي بنتي وأغلى حاجة رجعتلي في آخر عمري.
نور مسكت إيده.
وقالت
وأنا عمري ما هنسى إن أول مرة قابلت فيها الحاج محمود، طلب مني أكون حفيدته خمس دقايق.
ضحك.
وطلعتِ بقيتي بنتي العمر كله.
خرج الاثنان من البنك معًا.
أما الدفتر القديم، الذي كان الحاج محمود يحتفظ به طوال تلك السنوات، فلم يعد مجرد دفتر توفير.
كان شاهدًا على كل ما حدث.
وفي آخر صفحة منه، كتب الحاج محمود بخط يده
أحيانًا الكذبة اللي بنقولها عشان نحمي حد بتطول لحد ما تبقى سجن. لكن الحقيقة، مهما اتأخرت، تقدر تفتح بابه.