رواية جديدة

موقع أيام نيوز

اختفى.
وتحته ورقة مطوية بعناية.
فتحتها ببطء.
كان مكتوبًا فيها
الخاتم ده رجع مكانه... لأن الوقت جه تعرفي الحقيقة اللي أخفيتها عنك طول السنين. لكن قبل ما تقري آخر رسالة، لازم تعرفي إن اللي عملته كان علشان أحميكم، مش علشان أهرب منكم.
رفعت عيني، وأنا حاسة إن السطور الجاية هي اللي هتكشف كل شيء.
لكن عادل رفع إيده وقال بهدوء
استني... الرسالة دي هي الأخيرة فعلًا. وبعدها مفيش أسرار هتفضل مستخبية فتحت الرسالة الأخيرة، وكل اللي في الأوضة سكت.
بدأت أقرأ بصوت مرتعش
حبيبتي... لو وصلتي للرسالة دي، فأنا للأسف مش موجود، لكن لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
قبل أسبوع من فرحنا، اكتشفت إني مصاپ بمرض نادر وخطېر، والأطباء أكدوا إن حالتي هتتدهور بسرعة، وإن احتمالات نجاتي ضعيفة جدًا.
أول حاجة فكرت فيها مكانتش نفسي... كانت الأولاد.
بدأت دموعي تنزل وأنا بكمل.
كنت عارف إنهم لو شافوني بضعف يوم بعد يوم، هيعيشوا عمرهم كله متعلقين بالأمل والألم. وكنت عارف إن لو اتجوزتك، هتحملي عبء مرضي، وعبء عشرة أطفال، ويمكن في الآخر تدفنيني بعد شهور قليلة.
وأنا مكنتش مستعد أسرق عمرك.
بصيت للأولاد... كلهم كانوا بيعيطوا.
وكملت
عشان كده سبت كل حاجة ورتبتها. بعت جزء كبير من أملاكي في السر، وحطيت الفلوس في صندوق استثماري باسمهُم، بحيث كل واحد فيهم يقدر يتعلم ويبدأ حياته من غير ما يحتاج يمد إيده لحد.
وطلبت من عم حسين وعادل ينفذوا وصيتي بعد ثلاثين سنة... لأن ساعتها هتكونوا كبرتوا، وهتعرفوا تستوعبوا الحقيقة من غير ما تكرهوني.
ثم وصلت لآخر سطر.
ولو في حاجة ندمت عليها... فهي إني حرمت نفسي من إني أشوفكم بتكبروا، وحرمت نفسي من الحياة مع الإنسانة الوحيدة اللي حبت أولادي كأنهم أولادها.
سامحيني... وسامحوني.
سكتُّ.
لم يكن في البيت صوت غير البكاء.
اقترب يوسف، وأخذ الخاتم من العلبة، ثم ركع أمامي.
وقال
إحنا طول عمرنا كنا فاكرين إنك ربيتينا لأنك طيبة... لكن دلوقتي عرفنا إنك ضحيتي بعمرك كله عشان ناس مكانوش من دمك.
ثم أمسك الخاتم ووضعه في يدي.
وقال
أحمد مكانش لحق يتجوزك... بس في نظرنا، إنتِ طول عمرك كنتِ أمنا... وزوجته اللي وفّت بوعدها.
في الأسبوع التالي، ذهبنا جميعًا إلى مقاپر العائلة.
كان عم حسين قد احتفظ بمكان ډفن أحمد سرًا تنفيذًا لوصيته، حتى يحين موعد كشف الحقيقة.
وقف الأولاد العشرة في صف واحد.
ووضع كل واحد منهم وردة على قبر أبيه.
أما أنا...
فوضعت الخاتم فوق شاهد القپر للحظات، ثم لبسته لأول مرة.
وابتسمت وسط دموعي.
وقلت بصوت هادئ
اتأخرت تلاتين سنة يا أحمد... لكن رسالتك وصلت.
ومنذ ذلك اليوم، لم يجتمع الأولاد كل يوم جمعة فقط...
بل صاروا يبدؤون كل لقاء بالدعاء لرجلٍ أحب أبناءه حتى آخر لحظة، ولامرأةٍ أثبتت أن الأمومة ليست پالدم... وإنما بالقلب والوفاء.
تمت.

تم نسخ الرابط