رواية كامله

موقع أيام نيوز


من قدامه مرة تانية.
للحظة...
حسيت إن كل حاجة رجعت لطبيعتها.
غمضت عيني، وضميته لحضني أكتر.
وهمست وأنا ببوس راسه
وحشتني أوي يا آدم.
ابتسم وهو لسه متعلق بيا، وقال
إنتِ وحشتيني أكتر.
ضحكت وأنا بملس على شعره.
مستحيل.
هز راسه باعتراض وقال بكل جدية
لأ... أنا عدّيت.
بصيتله باستغراب وضحكت.
عدّيت إيه يا حبيبي؟
قال وهو مقتنع بكل كلمة
عدّيت قد إيه كنت مشتاقلك.
ابتسمت وقلت
وطلعوا كام؟
رفع كتفيه وقال ببساطة الأطفال
كتير أوي.
ضحكت من قلبي...
لكن الضحكة ما كملتش.
آدم رفع وشه وبصلي.
وفجأة...
ابتسامته اختفت.
في الأول افتكرت إنه افتكر مصېبة عملها وأنا مسافرة.
كنت حافظاه كويس.
كل ما يغلط...
عينيه توسع، ويضم شفايفه، ويبص في الأرض كأن البلاط بقى أهم حاجة في الدنيا.
لكن المرة دي...
ماكانش ده نفس التعبير.
اللون اختفى من وشه.
وشفايفه بدأت ترتعش.
وبصلي پخوف حقيقي، وقال بصوت مهزوز
ماما... بالله عليكي... ما تدخليش أوضتي.
بصيتله باستغراب...
وبعدين ضحكت ضحكة خفيفة.
افتكرت إنه أكيد قلب الأوضة رأسًا على عقب وأنا مسافرة، وخاېف أشوف الفوضى اللي عملها.
فاكرة مرة...
لما بنى مدينة كاملة من الكرتون في نص أوضته.
ولما سألته ليه لون نص الحيطة بالأزرق، رد عليّا بمنتهى البراءة
أي مدينة لازم يبقى فوقها سما.
ابتسمت وأنا بفرك خده، وقلت
إيه اللي حصل بقى؟... رسمت على الحيطان تاني؟
هز راسه بسرعة لدرجة إن عينيه املت دموع.
لأ.
الكلمة دي...
ونبرة الخۏف اللي خرجت بيها...
مسحت الابتسامة من على وشي تمامًا.
رفع عينيه ناحية طرقة البيت، وبص حواليه بقلق، كأنه خاېف حد يسمعه.
وبعدين همس
أنا... وعدت إني مش هدخل حد الأوضة.
عقدت حاجبي، وسألته بحدة
وعدت... مين؟
ما ردش.
ولا حتى بصلي.
كل اللي عمله إنه شد على كم جاكيتي بإيده الصغيرة.
كانت إيده بتترعش...
ورعشتها وصلت ليا.
في اللحظة دي...
حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد طفل عامل فوضى في أوضته.
رفعت عيني وبصيت حواليا.
وساعتها...
لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها أول ما دخلت.
البيت...
كان ساكت بشكل مخيف.
مش السكون الطبيعي...
لا.
سكون تقيل، كأنه بيخبي حاجة.
ماكانش فيه صوت موسيقى جاية من المطبخ، رغم إن سارة عمرها ما كانت بتطبخ من غير ما تشغل أغاني.
التلفزيون كان مقفول.
مافيش صوت غسالة...
ولا غسالة أطباق...
ولا حتى خطوات حد بيمشي في الدور اللي فوق.
كأن...
البيت كله كان حابس أنفاسه... منتظر اللي هيحصل بعد اللحظة دي.
كانت سارة هي اللي قاعدة مع آدم طول فترة سفري.
عندها اتنين وتلاتين سنة...
واعتمد عليها في أي حاجة.
ولو في حد بېخاف على ابني بعدي...
فهي.
أول ما طلبت منها تأجل شغلها كام يوم وتقعد معاه، وافقت من غير ما تشتكي ولا مرة.
رفعت صوتي وأنا ببص في أرجاء البيت
سارة!
ماحدش رد.
ناديت تاني
سارة... إنتِ فين؟
ولا صوت.
السكون بقى يخوف.
دخلت البيت وقفلت الباب ورايا بهدوء.
لقيت آدم لسه لازق فيا، كتفه مخبط في دراعي، وكأنه خاېف يبعد عني خطوة.
حاولت أطمن نفسي قبل ما أطمنه.
وقلت بابتسامة باهتة
أكيد في المطبخ.
لكن...
المطبخ كان فاضي.
مافيش حد.
كان فيه كوبايتين جنب الحوض.
واحدة فيهم فيها كيس شاي لسه عايم...
أما التانية...
فكانت زي ما هي، محدش شرب منها ولا رشفة.
خرجت بسرعة أبص على الجنينة الخلفية.
ناديت عليها مرة تانية.
سارة!
مفيش أي رد.
الجنينة كانت فاضية.
رجعت بصيت من الشباك...
عربيتها لسه واقفة قدام البيت.
في اللحظة دي...
قلبي بدأ يدق پعنف.
رجعت للممر بسرعة.
لقيت آدم واقف في نفس المكان...
ولا اتحرك خطوة واحدة...
كأنه كان مستنيني يرجعله بنفس الخۏف اللي كان في عينيه من البداية.
بصيت لآدم بهدوء، وسألته
يا حبيبي... فين طنط سارة؟
فضل باصص في الأرض.
وبعد لحظات همس
أنا... أنا مش عارف.
اتجمدت.
الكلام ده ماكانش منطقي.
سارة مستحيل تسيبه لوحده.
نزلت لمستواه، وحطيت إيدي برفق على كتفيه.
لقيت شفته السفلى بتترعش.
كرر نفس الجملة
والله... مش عارف.
سألته بهدوء
خرجت بره؟
هز راسه بالنفي.
طيب... حد جه البيت؟
في اللحظة دي...
عينيه اتحركت ناحية الممر.
ولأول مرة أخد بالي من حاجة غريبة.
كان فيه خيط رفيع من النور طالع من تحت باب أوضته.
استغربت.
آدم
 

تم نسخ الرابط