رواية كامله

موقع أيام نيوز

أنا كنت عايز أحميكي!
أنا مش محتاجة حد يحميني بالكذب!
المحل كله كان بيسمع.
أنت مأشوفنيش كإنسانة، كملت أنت شفتني كإجابة لسؤالك هو لسه في ناس طيبة؟. وأنا متولدتِش عشان أثبت لواحد ملياردير زهقان إن لسه فيه إنسانية في العالم.
ماهر حاول يقرب
أنا آسف.
وأنا كمان.
قلعت رضوى الكارنيه وحطته على الفترينا
أنا ماشية.
ومحدش استجرأ يوقفها.
في العصرية، ماهر كان مستنيها في حديقة الأسماك بالزمالك ومعاه بوكيه ورد أحمر ضخم.
كان حاسس إنه شكله عبيط، بس كان متلهف.
لما رضوى ظهرت، كانت لابسة جاكيت بسيط وعينيها باين عليها التعب.
رضوى، أرجوكي.. اسمعيني.
بصت للورد
وده كمان جزء من المسرحية بتاعتك؟
ماهر نزل الورد
لا.. أنا بحبك.
رضوى غمضت عينيها لحظة، وكأن الكلمة وجعتها
متقولش الكلمة دي عشان تصلح بيها اللي كسرته.
أنا أقدر أساعدك.. في الجامعة، الإيجار، في أي حاجة. عمرك ما هتشيلي هم الفلوس تاني.
هي ضحكت ضحكة حزينة
هو ده اللي أنت مش فاهمه. أنا قعدت سنين أبنّي في نفسي عشان مأعتمدش على حد. عدّيت من أبويا، والديون، والمدافن، وشغلانات اتهنت فيها.. ولما صدقت إن فيه حد بصلي بدون شفقة، اكتشفت إنه كان بيمتحنّي.
ماهر حس إن الورد بقى تقيل زي الصخر في إيده.
مكنتش أقصد أؤذيكي.
بس أذيتني.
رضوى أخدت نفس عميق
أنا مش هقبل الترقية.. ومش عايزة مستقبلي يعتمد على شعورك بالذنب.
رضوى...
لو جه يوم وحبّيت تتكلم معايا تاني، يبقى من غير ماسكات، ومن غير اختبارات، ومن غير ما تحاول تنقذني.
مشيت وسابته تحت شجر الحديقة.
وماهر ممشيش وراها.
ولأول مرة يفهم إن حب حد مش إنك تطوله بفلوسك، لكن إنك تحترم المسافة اللي هو محتاجها عشان يلملم جراحه.
بعد 6 شهور، فتحت رضوى محل ورد صغير في زاوية هادية في حي الكوربة بمصر الجديدة.
سمته ورد رضوى.
مكنش كبير ولا فخم، بس كل حتة فيه كان فيها لمستها زلع فخار متلونة، شلايل ستان، ورد بلدي وفل وفلورسنت ومحطوط في ورق كرافت بني.
فتحت المحل بتحويشتها، وقرض صغير، وليالي كتير من غير نوم.
أول شهر كان صعب.. والتاني كان أصعب.
بس الجيران بدأوا يرشحوا المكان.
ست كبيرة كانت بتشتري ورد كل إثنين عشان تحطه على قبر جوزها.
شاب كان بياخد عباد شمس عشان يصالح خطيبته.
وبنت صغيرة بتيجي كل جمعة تاخد وردة لمعلمتها.
رضوى اكتشفت إنها مكنتش عايزة تبيع رفاهية.. كانت عايزة تبيع مشاعر.
في يوم مطر خفيف، وهي بترتب الورد الأبيض، شافت عربية سوداء وقفت الناحية التانية من الشارع.
ماهر نزل منها.
مكنش لابس بدلة كاملة ولا هيبة.
ومكنش جايب بوكيه ورد عملاق.
كان شايل بس أصيص زرع صغير فيه جهنمية، أوراقها مبلولة بالمطر.
وقف عند الباب من غير ما يدخل أو يفرض نفسه
إزيك يا رضوى.
بصتله وقت طويل
أهلاً يا ماهر.
رفع أصيص الزرع بحذر
أنا مش جاي أشتري غفران.. أنا جاي أسأل إذا كانت النبتة دي محتاجة شمس مباشرة ولا ظل؟ قالولي إن هنا بيعاملوا الناس بضمير، حتى اللي ميفهموش في الزرع.
رضوى حاولت متقربش ابتسامتها، بس مقتدرتش
على حسب.. لو رعيتها بصبر، بتطلع ورد كتير. ولو حاولت تتحكم فيها زيادة عن اللزوم.. بتنشف وتدبل.
ماهر هز رأسه، وهو فاهم إن الكلام مش بس عن الزرع
يبقى هتعلم إزاي أرعاها صح.
أخدت رضوى الأصيص وحطته على الترابيزة
ممكن أشرحلك.. بس المرة دي، من غير كڈب.
من غير كڈب، قالها ماهر.
المطر فضّل ينزل على شوارع الكوربة، يغسل الرصيف والعربيات والجراح القديمة.
مكنش فيه بوسة أفلام ولا وعود خيالية..
كان فيه بس اتنين واقفين قدام بعض، ولأول مرة.. على نفس المستوى.
وساعات، بعد كل الإهانات دي.. اللحظة دي بتبقى قيمتها أغلى من أي نهاية مثالية.

تم نسخ الرابط