رواية جديدة

موقع أيام نيوز

المواجهة.
وأجلت الاعتراض.
وأجلت اليوم الذي سأقول فيه يكفي.
وها هو ذلك اليوم قد جاء أخيرًا.
بالطبع، كنت أشعر بالألم.
لم أكن أستطيع أن أكذب على نفسي وأقول إن كل شيء انتهى بسهولة.
اثنتا عشرة سنة لا تختفي من داخل الإنسان في ليلة واحدة.
الذكريات لا تمحى لمجرد أن شخصًا غادر البيت.
كانت هناك أيام جميلة أيضًا.
ضحكات قديمة.
صور.
أعياد.
أماكن ذهبنا إليها معًا.
وأحاديث كنت أظن وقتها أنها ستبقى إلى الأبد.
كل هذه الأشياء كانت ما تزال موجودة داخلي، ولهذا كان الألم طبيعيًا.
لكن الألم هذه المرة لم يكن معه شك.
لم أعد أسأل نفسي
هل بالغت؟
هل كان يجب أن أصبر أكثر؟
هل كان يمكن أن أشرح له بطريقة أفضل؟
هل كنت قاسېة؟
كنت أعرف الإجابات.
عرفت أنني منحت هذا الزواج وقتًا طويلًا.
وأنني تحدثت من قبل، حتى لو لم يكن كلامي بصوت مرتفع.
تحدثت بتعبي.
وبصمتي.
وبمحاولاتي المتكررة.
لكنه لم يرَ شيئًا من ذلك، لأنه كان مرتاحًا للطريقة التي تسير بها الأمور.
وهذا غيّر كل شيء.
كان الألم موجودًا، لكنه لم يعد يقودني إلى الخلف.
لم يعد يجعلني أفكر في فتح الباب من جديد لمجرد أنني خفت من الوحدة.
ولم يعد يدفعني إلى الاعتذار عن قرار أنقذ ما بقي مني.
بعد أن انتهيت، حملت الكوب إلى المطبخ.
ثم بدأت أمر في الغرف وأطفئ المصابيح واحدًا بعد الآخر.
كل غرفة كانت تحمل ذكرى.
وكل زاوية كانت تذكرني بشيء.
عندما وصلت إلى غرفة الجلوس، نظرت إلى المكان الذي كان فيه كرسي جاسم القديم.
كان الفراغ واضحًا.
توقفت أمامه.
تذكرت كم ليلة جلس فيه، بينما كنت أتحرك في البيت من المطبخ إلى غرفة الغسيل، ومن غرفة الغسيل إلى مكتبي، أحاول إنهاء كل شيء وحدي.
كان يعتبر جلوسه طبيعيًا.
وكان يعتبر تعبي طبيعيًا أيضًا.
وكأن دوري أن أستمر في حمل البيت، بينما يكتفي هو بمراقبتي.
ثم تذكرت كلماته القاسېة من اليوم
السابق
لا يهمني عملك ولا منصبك. غدًا ستأتي أمي وأختي لتعيشا معنا، وأنتِ من ستعتني بهما.
تذكرت طريقته وهو يقول الجملة.
لم يكن يسألني.
كان يبلغني.
كان يتحدث عن وقتي وبيتي وراحتي وكأنها أشياء يملكها.
وفي تلك اللحظة، فهمت أن المشكلة لم تكن في أمه ولا في أخته فقط.
المشكلة كانت في أنه لم يرَني شريكة يومًا كما كنت أظن.
كان يراني شخصًا موجودًا لتسهيل حياته.
ثم تذكرت صوتي وأنا أقف أمامه عند الباب.
كان هادئًا.
ثابتًا.
ولم يكن يشبه صوتي في كل المرات السابقة التي حاولت فيها الدفاع عن نفسي وأنا خائڤة من غضبه.
قلت له
أنا فقط أعدت كل شخص إلى مكانه الصحيح.
أعدت أغراضه إلى مكان يستطيع الوصول إليها فيه.
وأعدت أمه وأخته إلى مسؤولية من اتخذ قرار إحضارهما.
وأعدت البيت إلى الشخص الذي كان يدفع أغلب تكاليفه ويحافظ عليه.
لكن الأهم من كل ذلك...
أنني أعدت نفسي إلى مكاني.
لم أعد آخر شخص أفكر فيه.
ولم أعد المرأة التي تأتي احتياجاتها بعد احتياجات الجميع.
اقتربت من نافذة غرفة الجلوس، ووقفت أمامها.
كانت أضواء بغداد منتشرة أمامي.
السيارات تتحرك في الشوارع.
ونوافذ البيوت مضاءة.
وفي كل نافذة كانت هناك حياة لا أعرف عنها شيئًا.
ربما كانت هناك امرأة مثلي تحاول إقناع نفسها بأن الصمت يحمي بيتها.
وربما كان هناك رجل يظن أن وجود زوجته الدائم أمر مضمون.
وربما كانت هناك امرأة أخرى تقف الآن في بداية الطريق نفسه الذي وصلت أنا إلى نهايته.
وضعت يدي على زجاج النافذة، ونظرت إلى انعكاس وجهي.
بدوت متعبة.
لكنني لم أبدُ مکسورة.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني أرى نفسي بوضوح.
عالم جاسم لم ينهَر لأنني كنت امرأة قاسېة.
ولم ينهَر لأنني حصلت على منصب جديد.
ولم ينهَر لأنني أردت الاڼتقام منه.
انهار لأن كل شيء في حياته كان قائمًا على وجود امرأة تتحمل أكثر مما يجب.
امرأة تدفع أكثر.
وتعمل أكثر.
وتصمت أكثر.
وتعيد
ترتيب نفسها كل مرة حتى لا يضطر هو إلى تغيير شيء.
كان يظن أن هذا العالم قوي.
لكنه لم يكن قويًا.
كان قائمًا فوق ظهري فقط.
ولهذا، عندما توقفت عن حمله، سقط.
انهار لأنه، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، رفضت المرأة التي كانت تحمل كل شيء وحدها أن تختفي من أجل الآخرين.
رفضت أن تكون مجرد يد تنظف، أو راتب يدفع، أو وقت متاح لكل من يطلبه.
رفضت أن تُصغر نفسها حتى يشعر شخص آخر بأنه أكبر.
وفي تلك الليلة، وأنا أقف أمام أضواء بغداد، فهمت أنني لم أخسر حياتي.
كنت أبدأ في استعادتها.

تم نسخ الرابط