رواية جديدة
المحتويات
رغم أننا عشنا في بيت واحد طوال اثنتي عشرة سنة.
كان اسمه ظاهرًا أمامي على شاشة الهاتف، لكنني لم أشعر أنني أنظر إلى اسم الرجل نفسه الذي شاركني كل تلك السنوات.
كأن شيئًا داخلي انطفأ بهدوء.
لم أشعر بالڠضب الذي كنت أتوقعه.
ولم أشعر بالخۏف.
حتى الحزن لم يكن بالطريقة التي عرفتها من قبل.
كان هناك شعور غريب بالبعد، وكأنني أقف على جهة، وهو يقف في جهة أخرى بعيدة، وبيننا سنوات كاملة من الكلام الذي لم يُقل، والمواقف التي مررت عنها بصمت، والمرات التي تنازلت فيها حتى يبقى البيت هادئًا.
قرأت رسالته مرة أخرى
يجب أن نتحدث. أمي في حالة سيئة جدًا. سارة لا تفهم ما يحدث. أنتِ بالغتِ كثيرًا.
توقفت عند كلماته.
مرة أخرى، كان يتحدث عن أمه.
وعن أخته.
وعن شعوره هو.
ولم يسألني ولو مرة واحدة إن كنت أنا بخير.
لم يسألني كيف وصلت إلى هذه المرحلة.
ولم يحاول أن يفهم ماذا فعل بي طوال السنوات الماضية.
حتى في رسالته، كان يرى نفسه الضحېة، ويراني أنا المشكلة.
وضعت هاتفي أمامي للحظات، وأخذت نفسًا طويلًا.
ثم كتبت له سطرًا واحدًا فقط
كل الكلام سيكون عن طريق رنا الجبوري.
لم أشرح.
لم أبرر.
لم أكتب رسالة طويلة أذكّره فيها بكل ما حدث.
ولم أحاول أن أجعله يفهم شيئًا رفض فهمه طوال اثنتي عشرة سنة.
كنت أعرف أن أي كلمة إضافية ستفتح بابًا جديدًا للجدال، وهو الباب الذي دخلت منه مرات كثيرة من قبل، وخرجت منه دائمًا وأنا أشك في نفسي، رغم أنني كنت أعرف في داخلي أنني لم أكن مخطئة.
نظرت إلى الجملة القصيرة قبل أن أرسلها.
ثم ضغطت على زر الإرسال.
وبعدها حظرت رقمه.
ظللت أنظر إلى الشاشة لعدة ثوانٍ.
لم يحدث شيء كبير.
لم تهتز الأرض.
ولم أشعر بانتصار مفاجئ.
لكنني شعرت أنني أغلقت بابًا ظل مفتوحًا أكثر مما يجب.
بابًا كان يدخل منه إلى يومي ووقتي وهدوئي في أي لحظة يريدها، ثم يترك خلفه الفوضى ويرحل.
وضعت الهاتف جانبًا، وأكملت استعداداتي للعمل.
عندما وصلت إلى مقر الشركة وسط بغداد، كان المكان قد بدأ يمتلئ بالموظفين.
صوت الهواتف، وخطوات الناس في الممرات، وأبواب المكاتب التي تُفتح وتُغلق...
كل شيء كان يسير كالمعتاد.
لكنني لم أكن كما كنت بالأمس.
ما إن دخلت إلى القسم حتى استقبلني فريقي بابتسامات واضحة.
كان بعضهم ينتظرني عند باب المكتب، وبعضهم وقف من مكانه عندما رآني.
رأيت في وجوههم فرحة حقيقية لم أجدها في بيت كنت أظنه المكان الذي يجب أن أجد فيه أول من يفرح بي.
قال أحد الزملاء
مبارك أستاذة ميار، تستحقين هذا المنصب من زمان.
وقالت إحدى الموظفات وهي تبتسم
كلنا كنا نعرف أن الدور سيصل إليكِ.
شكرتهم بهدوء، لكن أصواتهم دخلت إلى قلبي بطريقة لم أتوقعها.
وعندما وصلت إلى مكتبي، وجدت باقة زهور جميلة موضوعة فوق الطاولة.
كانت مرتبة بعناية، وبجانبها بطاقة صغيرة أرسلها قسم الموارد البشرية، ومكتوب عليها
مبارك لكِ منصب المديرة.
وقفت أمامها طويلًا.
لم تكن مجرد زهور.
ولم تكن الكلمات المكتوبة على البطاقة مجرد تهنئة عادية.
كانت تذكيرًا واضحًا بأن هناك مكانًا يرى تعبي.
مكانًا يعرف كم سنة عملت.
وكم مرة بقيت بعد انتهاء الدوام.
وكم مشكلة تحملت مسؤوليتها.
وكم مرة أنقذت مشروعًا كان على وشك الفشل.
هناك، لم يكن أحد يطلب مني أن أصغر حتى يشعر هو بأنه أكبر.
لم يكن نجاحي مشكلة.
ولم يكن منصبي شيئًا يجب الاعتذار عنه.
وضعت يدي على طرف الطاولة، ونظرت إلى الزهور، وشعرت بالفرق الكبير بين عالمين كنت أعيش بينهما كل يوم.
عالم يحترمني بسبب عملي، ويقدّر جهدي، ويرى أن وصولي إلى هذا المنصب نتيجة طبيعية لكل ما قدمته.
وبيت كان ينظر إليّ فقط كشخص يجب أن يكون جاهزًا لخدمة الجميع.
في
الشركة، كنت
متابعة القراءة