رواية جديدة

موقع أيام نيوز

فككت وبيعت.
لم تعد البيت بيته.
المصرف حجز على العقار.
بعد يومين سيضطر لتسليم المفاتيح ولا يعلم إلى أين سيذهب بعدها.
ربما شقة صغيرة بالإيجار أو أي مكان يبدأ منه من الصفر مرة أخرى.
دخلت إيليانا من باب المطبخ تحمل فنجانين من القهوة.
لا تزال تأتي إلى البيت وتعمل رغم أنه لا يدفع لها الآن.
تقول إنها تأتي بدافع الوفاء لا المال.
حاول أن يمنعها لكنها كانت عنيدة أكثر من أن تقتنع.
قالت وهي تضع الفنجان على صندوق استعماله كطاولة
رافائيل نائم فوق.
تعب من اللعب بألعاب الفيديو.
قال بأسى
فليستمتع بها ما دام هنا.
ثم أضاف
إيليانا لا داعي لأن تستمري بالمجيء. لا أستطيع أن أدفع لك شيئا.
قد تحدثنا في هذا يا ميغيل.
أنا لست هنا لأجل الراتب.
لكن إيجارك فواتيرك كيف تدبرين أمرك
هزت كتفيها
أجد طريقة.
أخذت بعض أعمال التنظيف الإضافية في المكاتب في عطلة نهاية الأسبوع.
لا بأس.
شعر بانقباض في صدره.
تلك المرأة تواصل إنهاك نفسها بدافع وفاء لا يشعر أنه يستحقه.
سأل
والامتحان هل درست
نعم.
الامتحان الأسبوع المقبل.
اتسعت عيناه
الأسبوع المقبل
إيليانا بقي أسبوع واحد وأنت هنا تنظفين بيتا فارغا بدل أن تدرسي.
أدرس ليلا.
لطالما فعلت ذلك.
قال
لكن الآن لم تعودي مضطرة للدراسة خفية.
لديك المكتبة الكتب والوقت.
أجابت بمرارة هادئة
ليس لدي وقت يا ميغيل.
أعمل صباحا وظهرا ومساء.
أدرس عندما يبقى جزء من الطاقة في آخر الليل.
هكذا كان الأمر دائما.
نظر إليها إلى هذه المرأة التي لا تترك السلاح حتى حين يسقط كل شيء وشعر بصغره أمامها.
هو استسلم للشركة قبل أن يقاتل حتى النهاية
قبل الابتعاد كمن يقبل الهزيمة
بينما هي تواصل القتال كأن كل يوم معركة يمكن ربحها.
قال فجأة
إيليانا هل أستطيع سؤال شيء
طبعا.
لماذا لا تكرهينني
نظرت إليه مستغربة
أكرهك لماذا
لأنني وعدتك بشيء ولم أستطع تنفيذ كله.
لأنني وضعتك في موقف فظيع في الاجتماع.
لأن مارسيلا شوهت سمعتك بسببي.
جلست بجانبه على صندوق آخر
ميغيل كنت أول إنسان بعد سنوات يعاملني كإنسانة لها قيمة.
هذا لا ينسى
ولا يرد بالبغض.
أنت لم تفشل أنت حاولت وما زلت تحاول.
وهذا أكثر مما فعله أي شخص آخر لي.
نظر إلى قهوته الباردة وقال ساخرا من نفسه
يا للمفارقة أمضيت حياتي أبني هذه الإمبراطورية هذا البيت هذه الشركة هذه السمعة
وفي النهاية لا شيء من هذا نفعني.
في ثلاث أسابيع فقط تلاشى كل شيء تقريبا.
قالت بلطف
لم يتلاش فقط تغير شكله.
كيف
أشارت بيدها إلى الأعلى حيث ينام رافائيل
ذلك الطفل الذي ينام هناك لم يكن لديه أب حقيقي في حياته
ولا رجل يحتذى به
حتى التقاك.
قد تقول إنك لا تعرفه جيدا لكنه يعرفك.
هل تعلم كم مرة ذكر اسمك هذا الأسبوع
كم مرة سأل متى سيراك
كم مرة قال إنه يريد أن يصبح مثلك
شعر بدموع ټحرق عينيه.
مثلي أنا المفلس الذي يفقد كل شيء
قالت بابتسامة
مثلك الرجل الذي يساعد الآخرين وهو في قعر مشاكله.
الرجل الذي لا يتخلى عن الناس.
هذا ما يراه.
دمعة سقطت من عينه. حاول مسحها لكنها كانت قد ظهرت.
قالت
هل أستطيع أن أحكي لك شيئا لم أحكه لأحد من قبل
تفضلي.
تنفست بعمق
حين كنت في التاسعة من عمري أخذتني أمي إلى وسط المدينة.
كنا نمر بفترة صعبة.
أبي فقد عمله ولا مال لدينا.
أمي كانت تخجل من طلب المساعدة لكنها كانت يائسة.
أوقفتني في زاوية شارع مزدحم وقالت لي أن أطلب الصدقة.
أطرق ميغيل رأسه يستمع.
بكيت وتوسلت إليها ألا تفعل لكنها قالت إننا إن لم نفعل فلن نأكل.
وقفت هناك يدي ممدودة أموت من الخجل.
كان الناس يمرون دون أن يلتفتوا.
بعضهم نظر إلي بشفقة وآخرون باشمئزاز.
لكن كان هناك رجل واحد يتوقف كل يوم.
رجل يرتدي بدلة أنيقة وساعة لامعة.
تعلق انتباه ميغيل بكلماتها.
كان يعطي بعض المال ويمضي.
لكن يوما ما فعل شيئا مختلفا.
انحنى حتى صار في مستواي وقال
لا يجب أن تكوني هنا.
يجب أن تكوني في المدرسة تدرسين وتتعلمين.
هل تعديني بشيء
وعدته.
أخرج ورقة نقدية وورقة أخرى وكتب عليها شيئا ثم طواهما ووضعهما في يدي.
عدت إلى البيت وفتحت الورقة وكانت فيها جملة واحدة.
أدخلت يدها في جيبها وأخرجت ورقة صغيرة باهتة من كثرة طيها.
ناولتها له.
فتحها بيدين مرتجفتين.
كانت الكتابة سريعة لكنها معروفة.
كتابته هو.
كانت الجملة
ادرسي دائما مهما حدث.
تجمد في مكانه.
صوته خرج مبحوحا
هذا خطي.
أنا كتبت هذا
أومأت برأسها
تلك الفتاة الصغيرة كانت أنا.
وذلك الرجل الذي وقف أمامها كان أنت.
انهار ميغيل.
سنوات من الضغط والألم انهالت دفعة واحدة.
بكى كما لم يبك منذ كان طفلا
بكى من شدة التأثر ومن الحزن ومن الامتنان لأن فعلا صغيرا كان قد أنقذ حياة دون أن يعلم.
ضمته إيليانا بين ذراعيها
لم تفشل معي يا ميغيل.
لقد أنقذتني مرتين.
مرة في تلك الزاوية ومرة في هذا البيت.
وحتى وأنت تخسر الآن ما زلت تنقذني
لأنك علمتني أن الاستسلام ليس خيارا.
بقيا متعانقين يبكيان في تلك الغرفة شبه الفارغة
يربط بينهما خيط قصة بدأ قبل سنوات في شارع مزدحم.
حين انفصلا مسح ميغيل دموعه وابتسم للمرة الأولى منذ أسابيع
إذا هذا هو السبب في أنك لا تستسلمين عني.
هذا جزء منه
والجزء الآخر أنني أحتاج أن ترى ما سأفعله بما أعطيتني.
وماذا ستفعلين
سأنجح في الامتحان.
سأتخرج.
سأفتح المكتب الذي حلمت به أنت.
وسأساعد آخرين كما ساعدتني.
نظر إليها بإعجاب
ستنجحين.
أنا واثق.
في تلك اللحظة ظهر رافائيل أعلى الدرج وهو يفرك عينيه
عمو ميغيل لماذا تبكي
ابتسم
لا أبكي يا بطل أنا سعيد.
سعيد والبيت صار فاضي
سعيد لأني اكتشفت أنني لم أفقد ما هو مهم حقا.
نزل الطفل وركض إليه فقفز في حضنه
فين راح تسكن الآن
لا أعرف بعد.
قال رافائيل بحماس
تعال تسكن معنا!
بيتنا صغير بس يكفي واحد زيادة.
تنام على الكنبة.
ضحكت إيليانا
رافائيل نحن بصعوبة نجد مكانا لأنفسنا
قال بإصرار
لكني أريد عمو ميغيل يعيش معنا.
ضمھ ميغيل بقوة
شكرا يا بطل
لكنني سأجد مكانا.
تعدني ألا تختفي
مد رافائيل إصبعه الصغير
وعد بإصبع الخنصر ما ينكسرش.
ضحك ميغيل ومد إصبعه
لن أكسره.
في تلك اللحظة رن هاتف ميغيل وكان رقما مجهولا.
أجاب
ألو
جاءه صوت رجل مسن
ميغيل أندرادي
نعم.
هنا الدكتور فيريرا.
نحتاج أن نتكلم فورا.
حدث شيء يهمك.
توتر ميغيل
ماذا حدث
لا أستطيع إخبارك في الهاتف.
هل تستطيع المجيء إلى المكتب الآن
الآن
الآن.
الأمر يتعلق بمارسيلا وبما فعلته حقا.
انتهت المكالمة.
نظر ميغيل إلى إيليانا بمزيج من الخۏف والأمل.
سألته
ما الأمر
قال
أظن أن الحړب لم تنته بعد.
مرت أربع سنوات بعد ذلك الاجتماع المتوتر.
أربع سنوات أوصلت القضية إلى القضاء
وجعلتها خبرا وطنيا
احتيال تزوير تلاعب في شركة مؤامرة
وفي قلب كل هذا اسمان لا ينساهما أحد
ميغيل أندرادي ومارسيلا فييرا.
كانت قاعة المحكمة مكتظة
ناس واقفون في الممرات
صحفيون بكاميراتهم
فضوليون يحاولون الحصول على مقعد لمشاهدة الجلسة التي تحولت إلى حدث عام.
وقفت إيليانا تعدل سترة المحاماة للمرة العاشرة.
يداها متعرقتان.
هذه أول قضية كبرى لها بعد تخرجها مباشرة.
وليست أي قضية
إنها القضية التي ستغلق دائرة بدأت قبل سنوات في زاوية شارع.
قال رافائيل الذي صار في العاشرة من عمره ويرتدي ملابس رسمية
اهدئي يا أمي ستبدعين.
ابتسمت
شكرا يا حبيبي.
أليس من المفترض أن تكون في المدرسة
المديرة سمحت لي.
قالت إن رؤية أمي وهي تدافع عن أحد في المحكمة درس في المواطنة.
ضحكت ومسحت على رأسه
ابق هنا بهدوء لا تفتعل ضجة.
أعدك.
دخلت إلى قاعة المحكمة وقلبها يخفق بقوة حتى شعرت أنه سيقفز من صدرها.
كان ميغيل يجلس في قفص الاتهام يرتدي ملابس بسيطة محترمة.
حين رآها ابتسم.
لم تكن ابتسامة رجل مهزوم بل ابتسامة إنسان يثق بمن تدافع عنه.
في الجهة الأخرى جلست مارسيلا في مقعدها بكامل أناقتها شعر مصفف ملابس غالية
وتعبير امرأة مقتنعة أنها ستنتصر.
محاميها من أشهر المحامين المعروفين بعدم الخسارة تقريبا.
لكن ما لم يعرفه أنه لا يواجه محامية حديثة التخرج
فقط بل يواجه
تم نسخ الرابط