رواية جديدة
المحتويات
شمعة بعد اليوم.
ابتداء من الغد ستستخدمين مكتبة البيت.
نور حقيقي وطاولة حقيقية وكرسي مريح. وإن احتجت إلى كتاب تخبريني.
حدقت فيه كأنها لا تصدق ما تسمع.
سيد لا أستطيع قبول هذا.
أنت تدفع لي لأعمل هنا لا حاجة لهذا
قال بحزم
قبولك ليس معروفا بل استثمار.
إن نجحت في الامتحان سأستطيع القول إنني وظفت محامية مستقبلية.
ولهذا قيمة.
للمرة الأولى منذ بداية الحديث ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة خجولة لكنها حقيقية.
شكرا لك يا سيد ميغيل
لا تتصور كم يعني لي هذا.
ابتسم هو الآخر وقال
أتخيل أنه يعني أن تدرسي دون أن ټحرقي أصابعك بشمع الشمعة.
ضحكت ضحكة قصيرة متوترة لكنها أعادت الحياة إلى وجهها المتعب.
قال
الآن اذهبي إلى البيت ابنك ينتظرك.
جمعت دفاترها بسرعة أطفأت الشمعة وغادرت كأنها تركض.
بقي ميغيل وحده ينظر إلى الزاوية التي قضت فيها تلك المرأة ليالي طويلة تدرس في الخفاء.
كان في ما حدث شيء يحرك داخله شيئا لا يعرف وصفه. ربما لأنه رأى فيها ذلك الإصرار الذي كان يملكه يوما ما ثم فقده أو ربما لأنه لأول مرة منذ أشهر شعر بأنه فعل شيئا مهما حقا.
عاد إلى غرفته وهو يفكر في تلك المحادثة. نام متأخرا لكنه نام أفضل مما نام منذ أسابيع.
جاء الصباح التالي مع شمس قوية تتسلل من النوافذ وتنتزع آخر فرصة للنوم.
نزل ميغيل إلى المطبخ متوقعا أن يجد القهوة جاهزة كالعادة لكن كان هناك شيء مختلف في الجو توتر لم يستطع تفسيره.
كانت إيليانا هناك تعد القهوة كعادتها لكن حركتها تغيرت. كانت يدها تسرع أكثر من اللازم كأنها في عجلة من أمرها وكأنها تريد إنهاء كل شيء لتختفي فورا.
وحين رأته يدخل أطرقت رأسها تحية سريعة واستمرت في تحريك القهوة بشدة زائدة.
قال مبتسما
صباح الخير يا إيليانا.
ردت بصوت رسمي بارد
صباح الخير سيد ميغيل.
جلس عند الطاولة يتأملها. هناك خطب ما.
المرأة التي تحدثت معه الليلة الماضية عن أحلامها ودراستها تبدو الآن كتمثال من جليد تتجنب أي اتصال بصري معه.
سأل
هل حدث شيء ما
لا يا سيد كل شيء بخير.
لكن كل شيء كان عكس ذلك. رأى انتفاخا حول عينيها احمرارا واضحا علامات من لم ينم أو من بكى ليلا أو من فعل الأمرين معا.
قال بهدوء
إيليانا انظري إلي.
ترددت لكنها امتثلت.
في تلك اللحظة رأى بوضوح أن الأمر ليس تعبا فقط كان يأسا صريحا على وجهها.
سأل
ما الذي حدث
لا شيء يا سيد فقط لم أنم جيدا.
صمتت لحظة ثم أضافت
بسبب رافائيل.
مجرد ذكر اسم ابنها جعل الدموع تلمع في عينيها فورا. استدارت محاولة إخفاءها لكن الأوان كان قد فات فقد رآها.
قال بحزم لطيف
إيليانا اجلسي هنا الآن.
لم يكن طلبا بل أمرا. وضعت الفنجان على الطاولة وجلست أمامه ويداها ترتجفان قليلا.
ظلت تحدق في الطاولة تحاول أن تمنع البكاء بالقوة.
قال بهدوء
احكي لي ما حدث.
ساد صمت ثقيل لثوان. تنفست إيليانا مرارا ثم قالت أخيرا
رافائيل لم ينم طوال الليل. ظل يبكي عند باب غرفته ينتظرني.
حين وصلت إلى البيت كانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل.
وجدته متكوما في الممر يعانق وسادته وكل ألعابه مبعثرة حوله.
ارتجف صوتها وهي تكمل
قال إنه سمع صوتا عند النافذة وإنه خاف أن يدخل أحد ما.
ناداني ولم أكن هناك. قال إنني لا أكون موجودة أبدا.
طفل في السادسة يقول لأمه هذا الكلام
انزلقت دمعة على خدها. مسحتها بسرعة لكن غيرها تبعها مباشرة.
هو في السادسة يا سيد ميغيل السادسة فقط.
وقد اعتاد أن ينام وحده لأن أمه غائبة دائما تحاول أن تبني له مستقبلا أفضل.
لكن أي مستقبل هذا إن كان الحاضر مليئا بالخۏف والوحدة
قال محاولا مواساتها
هو لا يظن أنك لا تحبينه.
هزت رأسها بالنفي
بل يظن ذلك.
هذا الصباح سألني إن كنت لم أعد أحبه
سألني إن كان قد فعل شيئا خاطئا لأبتعد عنه هكذا.
اڼهارت إيليانا. خرج البكاء الذي كانت تحبسه منذ الصباح دفعة واحدة. غطت وجهها بكفيها وكتفاها تهتزان محاولة كتم شهقاتها دون جدوى.
ظل ميغيل في مكانه لا يعرف كيف يتصرف. لم يكن بارعا في المواساة.
لكنه شعر بأن بكاء أم ټقتلها عقدة الذنب قد اخترق شيئا عميقا فيه.
انتظر حتى هدأت قليلا ثم قال
إيليانا أنت تفعلين هذا من أجله أنت تعرفين ذلك.
همست
لكن هل يستحق الأمر حقا
هل يستحق أن يكبر خائڤا وحيدا لمجرد أن يكون عندي شهادة معلقة على الحائط
قالت ثم تابعت
ليست المسألة مجرد شهادة إنها حياة أفضل فرص أفضل مستقبل أفضل
لكن في المقابل هو يتألم الآن.
ساد صمت قصير بينهما ثقيلا كالاعتراف.
قال فجأة
ولم تربينه وحدك
خرج السؤال أكثر مباشرة مما أراد لكنه قيل وانتهى الأمر.
مسحت دموعها بظهر يدها وقالت
والده رحل عندما علم أنني حامل.
قال إنه غير مستعد للأبوة وأن لديه خططا أخرى للحياة. ترك رسالة يعد فيها بأنه سيرسل مالا حين يستطيع ولم يرسل شيئا أبدا. اختفى تماما.
ألم تحاولي اللجوء للقضاء
حاولت. لكنه اختفى من كل مكان غير المدينة غير عمله لا أثر له.
قال لي المحامي إن الأمر قد يستغرق سنوات للعثور عليه وحتى لو وجدناه فليس هناك ضمانة أن نحصل على شيء. فتركت الأمر.
هز ميغيل رأسه. كان يعرف هذا النوع من القصص جيدا رجال يهربون من مسؤولياتهم يتركون نساء يقاتلن حياتهن وحدهن ضد كل شيء.
سألها
وعائلتك ألا يساعدونك
ضحكت ضحكة مرة
عائلتي تبرأت مني حين حملت.
قالوا إنني جلبت العاړ للجميع وإنني ډمرت حياتي وإنهم لا يريدون رؤيتي.
حاولت العودة أكثر من مرة لكن الباب ظل مغلقا دائما.
قال بحزن
إذا أنت تماما وحدك.
تماما أنا ورافائيل ضد العالم.
عاد الصمت يخيم.
نظر ميغيل إلى تلك المرأة الجالسة أمامه فرأى أكثر من عاملة نظافة تدرس خفية. رأى مقاتلة تخوض معركة ضد نظام كامل مصمم كي لا ترتقي.
سأل فجأة
كم تتقاضين في الشهر
فوجئت بالسؤال.
سيد أجري هنا
أجر وشوية لقد كنت كريما جدا معي.
قال
وهل يبقى شيء في نهاية الشهر
خفضت رأسها
لا يا سيد.
الإيجار يأخذ تقريبا النصف ثم الطعام والمواصلات ولوازم مدرسة رافائيل والدواء إذا مرض
في النهاية لا يبقى شيء بل ينقص دائما.
والدروس التحضيرية للامتحان كيف تدفعينها
لا أدفع. أدرس وحدي. أشتري ملخصات مستعملة وأنزل دروسا مجانية من الإنترنت وأستعير كتبا من المكتبة العامة أفعل ما أستطيع.
جلس ميغيل يفكر. هذه المرأة تعمل اثنتي عشرة ساعة في اليوم ثم تعود لتعتني بابنها ثم تأتي لتدرس على ضوء شمعة وتنام أقل من أربع ساعات ومع ذلك لا توفر شيئا لأن كل ما تكسبه يذهب إلى أساسيات الحياة.
قال بهدوء
إيليانا هل أستطيع أن أطرح عليك سؤالا شخصيا
بالطبع يا سيد.
لماذا لم تستسلمي حتى الآن
بقي السؤال معلقا. نظرت إليه بمزيج من الدهشة والحزن.
لأنني إن استسلمت
فماذا سأعلم رافائيل
أننا حين تصير الحياة صعبة نرفع الراية البيضاء
أن الأحلام حكر على من يملكون المال وأن الفقراء عليهم أن يرضوا بما قسم لهم
نهضت ومشت نحو النافذة تتكلم وظهرها إليه
ابني يراني أخرج كل يوم للعمل ويراني أعود مرهقة ويراني أدرس في منتصف الليل عندما يستيقظ ليشرب الماء.
وتعلم ماذا قال لي الأسبوع الماضي
انتظر في صمت.
قال لي ماما عندما أكبر سأدرس مثلك.
سأعمل كثيرا كي لا تضطري للعمل بعد اليوم.
سأعتني بك كما تعتنين بي.
تكسر صوتها في آخر جملة. استدارت نحوه وعيناها مغرورقتان بالدموع.
طفل في السادسة يفكر في أن يعتني بأمه.
أتدري ماذا يعني ذلك
هذا يعني أنه يرى يفهم
يتعلم
متابعة القراءة