رواية جديدة
تخبي بعض الأدوية داخل درج المطبخ.
لكن الباب اتفتح بعد دقائق.
دخل الضباط.
بدأوا بتفتيش البيت.
وفي غرفة إياد...
لقوا الحقيقة اللي هزت الجميع.
مرتبة الطفل كانت مبللة وقديمة.
دولاب الملابس شبه فاضي.
وفي الدرج علبة منوم خاصة بالكبار، ممنوع إعطاؤها للأطفال إلا في ظروف طبية محددة وتحت إشراف طبي.
كما عثروا على مفكرة صغيرة كان إياد يرسم فيها.
في كل صفحة تقريبًا...
كان فيه رسمة لطفل قاعد لوحده في أوضة مقفولة، وشباك عليه قضبان، وكلمة واحدة مكتوبة بخط طفل صغير
جعان.
وفي صفحة تانية
بابا... تعالى.
حتى الضابط سكت للحظة وهو بيقلب الصفحات.
النيابة أمرت بالتحفظ على الهواتف.
وبعد فحصها...
ظهرت رسائل بين شيرين ووائل.
كانت تتكلم عن السفر، والسهر، والحفلات.
وفي إحدى الرسائل كتبت
سيب الواد نام... حطيتله المنوم.
ورد وائل
كويس... عشان منسمعش صوته.
وفي رسالة أخرى
هو بيعيط من الجوع.
فردت
خليه يتعلم الأدب.
كانت الرسائل كافية لتغيير مجرى القضية بالكامل.
بعد أيام...
استقرت حالة إياد.
بدأ العلاج.
وأخصائية الطب النفسي للأطفال جلست معه جلسات طويلة.
في البداية...
كان الطفل ېخاف من أي صوت مرتفع.
يرتجف لو حد قرب منه فجأة.
ويخبّي الأكل تحت المخدة لأنه كان فاكر إنه هيتحرم منه.
لكن مع الوقت...
وبوجود أبوه باستمرار...
بدأ يستعيد إحساسه بالأمان.
أول مرة ضحك فيها من قلبه، رامي خرج من الأوضة وبكى وحده في الممر.
ليس ضعفًا...
ولكن لأنه أدرك حجم الألم الذي عاشه ابنه وهو بعيد عنه.
المحاكمة استمرت عدة أشهر.
استمعت المحكمة إلى
التقرير الطبي.
شهادة الجارة.
تقرير الطبيب النفسي.
تسجيلات الكاميرات.
الرسائل المستخرجة من الهاتف.
تقارير المعامل الخاصة بالأدوية.
حاول دفاع شيرين يقول إن الطفل كان صعب في التربية.
لكن القاضي قاطعه بعدما استعرض الأدلة.
وأكد أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد تقصير، بل سلسلة من الأفعال التي عرضت طفلًا لخطړ جسيم.
وفي الجلسة الأخيرة...
صدر الحكم بإدانة شيرين ووائل عن الچرائم التي ثبتت بالأدلة، وشمل ذلك ما يتعلق بالإهمال الجسيم وإيذاء الطفل وفق ما انتهت إليه المحكمة، مع توقيع العقوبات المقررة قانونًا، وإلزامهما بالتعويض المدني.
كما قررت المحكمة إسقاط حضانة شيرين، وإسناد حضانة إياد إلى والده.
بعد سنة كاملة...
كان إياد واقف في أول يوم مدرسة.
رامي ماسك إيده.
الولد بص له وقال بابتسامة صغيرة
بابا...
نعم يا بطل؟
هو أنا لو جعان أقولك؟
رامي ركع قدامه، وابتسم رغم الدموع اللي في عينه.
مش هتستنى لما تجوع أصلًا. من النهارده، محدش هيخوفك، ومحدش هيعاقبك، ومحدش هيخليك تحس إنك لوحدك.
حضنه بهدوء، وساب لإياد حرية إنه يبعد لو حس بعدم ارتياح.
لكن المرة دي...
إياد هو اللي شد حضڼ أبوه بإيده الصغيرة.
وكانت أول حضڼ حقيقي بينهما منذ شهور.
رجع رامي الفيلا بعد ما باعها بكل ذكرياتها المؤلمة.
اشترى بيتًا أصغر، لكنه مليان دفء.
علق أول رسمة جديدة لإياد على الحائط.
كانت عبارة عن شمس كبيرة، وبيت، ورجل وطفل ماسكين إيد بعض.
وتحت الرسمة كتب إياد بخطه المرتب
أنا بقيت في أمان.
وقف رامي يبص للكلمات طويلًا.
ثم ابتسم، وحمد الله أن الحقيقة ظهرت قبل فوات الأوان، وأن
ابنه حصل أخيرًا على فرصة يبدأ حياة جديدة، بعيدًا عن الخۏف، ليُغلق هذا الفصل المؤلم من حياتهما إلى الأبد.