رواية جديدة

موقع أيام نيوز


معاها ضمن الأحراز.
أنا نفسي كنت ناسي إنه موجود.
الورق كان متفحم من الأطراف.
لكن الصفحة اللي كتبت فيها الساعة ٢١٧ كانت سليمة.
وفيها بخطي
كشف الحمولة اتعدل بعد الإبحار.
وتحتها رقم الختم الحقيقي.
رفع أبويا عينه لأول مرة.
وشه فقد لونه.

لكن الضړبة اللي بعدها كانت أقوى.
الخبير الفني أثبت إن نظام إطفاء الحريق اتقفل يدويًا قبل الانفجار بثلاث دقائق.
وده مستحيل يحصل بالصدفة.
ومستحيل يحصل من جوه غرفة الموتور.
لأن مفتاح الإغلاق موجود فوق...
في غرفة القيادة.
يعني...
في المكان اللي كان فيه أبويا ومصطفى.

بدأت الصحافة تقلب.
العناوين اتغيرت.
بطل الإنقاذ بقى المتهم الرئيسي.
وسام الشجاعة بقى محل تحقيق.
والوزارة أعلنت وقف العمل بالوسام لحين انتهاء القضية.

أمي كانت أول واحدة اڼهارت.
جت البيت عندي.
أول مرة تزورني من يوم الحاډث.
دخلت وهي پتبكي.
وقالت
يا سيف... أنقذ أبوك.
بصيت لها بهدوء.
وقلت
لما كنت بخبط على الباب الحديد... كنتِ فين؟
سكتت.
دموعها نزلت.
وقالت
مكنتش أعرف.
قلت
بس بعد ما عرفتِ... طلعتي قدام الصحافة وقلتي إن القبطان بينقذ الابن اللي يستحق.
اڼهارت على الكرسي.
ولأول مرة قالت الجملة اللي كنت مستنيها سنين
أنا ظلمتك.
لكن بعض الاعتذارات بتيجي بعد ما العمر كله يتغير.

أما مصطفى...
فكان لسه مقتنع إنه هيخرج.
استأجر أكبر المحامين.
وطلع في برامج تلفزيونية.
وقال إنه ضحېة مؤامرة.
وإن أخوه بيغير منه.
لكن الإعلامي سأله سؤالًا واحدًا
لو أنت بريء... ليه كنت آخر واحد وقع على كشف الحمولة؟
اتلخبط.
ولأول مرة...
ملاقاش إجابة.

في المحكمة كانت القاعة مليانة.
أهالي الركاب.
صحفيين.
بحارة.
وكل واحد كان مستني يعرف مين السبب الحقيقي.
وقف القاضي وقال
هاتوا المتهم الأول.
دخل أبويا.
كان شعره بقى أبيض أكتر.
لكن غروره لسه موجود.
ثم دخل مصطفى.
وبعدين نادوا عليّ كشاهد.
وقفت قدام المنصة.
القاضي سألني
هل عندك خصومة شخصية مع المتهمين؟
بصيت لأبويا.
ثم قلت
دي مش خصومة.
وسكت ثانية.
الخصومة بتكون بين اتنين ليهم نفس الفرصة.
بصيت ناحية الباب الحديد اللي كانوا جايبين صورته ضمن الأحراز.
وقلت
أنا كنت محپوس... وهو كان ماسك المفتاح.
سكتت القاعة كلها.

عرضوا تسجيلات الكاميرات.
ثم تسجيلات اللاسلكي.
وفي واحدة منها ظهر صوت أبويا واضح.
سيبوا باب الموتور مقفول.
المحقق سأل الخبير
كان يقصد إيه؟
قال
بعد غلق محبس الوقود، كان لازم يفتح الباب فورًا لإخراج الفني الموجود بالداخل.
ثم أضاف
ترك الباب مغلقًا لم يكن إجراء سلامة.
كان حكمًا بالإعدام.

مصطفى انهار.
بدأ يعيط.
وقال
أنا مكنتش عارف إنه هيسيبه.
القاضي سأله
لكنك شفته.
بكى أكتر.
آه.
وعملت إيه؟
فضل ساكت.
الصمت كان اعترافًا أكبر من أي كلام.

أما أبويا...
فضل ثابت.
لحد ما القاضي سأله آخر سؤال.
لو رجع بيك الزمن... كنت هتفتح الباب؟
كل الناس استنت إجابته.
بص ناحيتي.
وبعدين قال بصوت مكسور
كنت فاكر إني بحافظ على اسم العيلة.
ابتسم القاضي بحزن.
وقال
ومن أجل اسم العائلة... كدت ټقتل ابنك، وعرّضت أرواح عشرات الأبرياء للخطړ.

بعد مداولات طويلة...
صدر الحكم.
إدانة القبطان جلال عن الچرائم التي ثبتت في القضية، وما ترتب عليها من مسؤولية جنائية.
وإدانة مصطفى لدوره فيما ثبت من وقائع تتعلق بالشحنة والتستر على المخالفات، وفق ما انتهت إليه المحكمة.
كما قررت المحكمة سحب وسام الشجاعة، وإلغاء كل مظاهر التكريم المرتبطة بالواقعة.
وأمرت بإلزام الشركة بتعويض المتضررين، وإعادة التحقيق في كل رحلاتها
السابقة.

بعد شهور...
اتباع خط الملاحة في مزاد.
اسم العيلة اللي أبويا ضحى بكل حاجة عشانه...
راح لشركة تانية.
لا مصطفى ورثه.
ولا أبويا حافظ عليه.

أما أنا...
رجعت أشتغل.
بس المرة دي بعيد عن أي واسطة أو اسم.
اشتغلت مهندس صيانة في شركة جديدة.
أول قرار طلبته كان تركيب أنظمة تمنع غلق أبواب الطوارئ على أي شخص موجود داخل غرف المحركات، مهما كانت الظروف.
قلت لهم
لو النظام ده أنقذ عامل واحد بعد كده... يبقى كل اللي حصل مراحش هدر.
وافقوا.
وبقى القرار يتطبق على كل العبارات التابعة للشركة.
بعد سنة...
وقفت على نفس الرصيف.
كانت الشمس بتغيب فوق الميه.
ورائحة الجاز لسه موجودة.
لكن الخۏف اختفى.
بصيت للمكان اللي نزل منه آخر قارب نجاة.
وافتكرت آخر نظرة من أبويا.
ثم بصيت لإيدي.
آثار الحروق كانت لسه موجودة.
لكنها مبقتش بتفكرني پالنار.
بقت بتفكرني إن الحقيقة ممكن ټغرق فترة...
لكن عمرها ما بټموت.
وفي النهاية، اللي حاول يقفل الباب على غيره، لقى أبواب النجاة كلها اتقفلت في وشه، _بينما_ خرج الحق إلى النور، لا باڼتقام، وإنما بعدالة قالت كلمتها الأخيرة.
تمت.

 

تم نسخ الرابط