سابنى حامل وسط الطريق
أبيض.
وقف يلهث وقال
آسف على المقاطعة... الظرف ده وصل دلوقتي باسم ناتالي، والمرسل طلب يتسلم فورًا.
أخذت الظرف باستغراب.
لم يكن عليه اسم المرسل.
ولا أي عنوان.
فتحت الغلاف ببطء...
وكان بداخله مفتاح صغير جدًا، ورسالة قصيرة من سطر واحد فقط
فيه مكان واحد بس هيجاوب على كل الأسئلة اللي لسه محدش عرف إجابتها.
نظرت إلى المفتاح مرة...
ثم إلى بريت.
ولأول مرة...
بدا عليه أنه يعرف هذا المفتاح جيدًا، لأن وجهه شحب في لحظة، وهمس دون أن يشعر
لا... مش هناك بمجرد ما سمعنا بريت بيهمس
لا... مش هناك.
رفعت المفتاح قدام عينيه.
وقلت
هناك فين يا بريت؟
اتردد.
وبص للمفتاح وكأنه شافه لأول مرة من سنين.
قائد فريق الإنقاذ مد إيده وقال
وريني.
سلمته المفتاح.
قلبه بين صوابعه، ثم قال
المفتاح ده مش مفتاح بيت.
أحد الصحفيين سأله
أمال مفتاح إيه؟
رد وهو بيبص للرقم المنقوش عليه
رقم 17...
سكت لحظة.
...ده غالبًا مفتاح خزنة حفظ.
الحضور بدأ يهمس من جديد.
بصيت للرسالة مرة تانية.
كان مكتوب تحت السطر الأول بخط صغير جدًا
محطة القطارات القديمة.
اتغيرت ملامح بريت تمامًا.
صړخ لأول مرة
لا تروحيش هناك.
سألته
ليه؟
مردش.
قائد فريق الإنقاذ قال بهدوء
واضح إن المكان ده مهم.
أحد الصحفيين اقترح
نروح كلنا دلوقتي.
لكن قبل ما حد يتحرك...
رن موبايل قائد الفريق.
رد بسرعة، ثم قال
أيوه... إحنا لسه في القاعة.
استمع لثوانٍ، ثم أغلق الخط.
رفع رأسه وقال
فيه خبر غريب.
كل الموجودين انتبهوا.
المخزن رقم 17 في محطة القطارات القديمة...
بلع ريقه.
...حد حاول يفتحه من ساعتين.
شهقت القاعة.
سألته بسرعة
مين؟
هز رأسه.
الكاميرات جابت شخص لابس كاب وجاكيت، ووشه مش واضح.
بريت أغلق عينيه.
واضح إنه كان يعرف أكثر مما يقول.
اقتربت منه.
وقلت بهدوء
لو كنت عارف اللي هناك...
رفعت المفتاح أمامه.
...يبقى دي فرصتك الأخيرة تقول الحقيقة.
رفع عينيه ببطء.
وبصلي نظرة طويلة.
ثم قال بصوت يكاد لا يُسمع
الخزنة دي...
وسكت.
أنا ما حطتش اللي جواها.
ساد الصمت.
قلت
أمال مين؟
قبل أن يجيب...
دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
وقال بصوت مرتفع
لقينا صورة أوضح من كاميرات المحطة.
أدار الشاشة ناحية الجميع.
ظهرت صورة الشخص اللي حاول يفتح الخزنة.
كانت ملامحه أوضح من قبل.
ولما وقعت عين بريت على الصورة...
تراجع للخلف خطوة وهو يهمس في ذهول
مستحيل...
ده هو إليك نهاية تربط كل الأحداث بدون إضافة ألغاز جديدة
نظر بريت إلى الصورة على شاشة الجهاز اللوحي، ثم أغلق عينيه وقال بصوت مكسور
أعرفه... ده رجل الإطفاء اللي شافني ليلة الحريق.
ساد الصمت.
اقترب قائد فريق الإنقاذ وقال
إذن مفيش أسرار تانية.
أومأ بريت برأسه.
ثم وقف أمام الجميع، ونزع الميدالية من على بدلته ووضعها على المنصة.
وقال
أنا مش بطل... البطل الحقيقي هو كل واحد دخل الڼار علشان ينقذ الناس. أما أنا... فخفت.
نظر إليّ وعيناه مليئتان بالندم.
أنا وعدتك إني هرجع... وما رجعتش. فضلت أقنع نفسي إنك أكيد خرجتي، علشان أقدر أعيش مع القرار اللي خدته.
لم أتكلم.
لأن أي اعتذار في الدنيا... ما كانش هيغير اللي حصل.
أحد الصحفيين سأله
لو رجع بيك الزمن... هتتصرف بنفس الطريقة؟
هز رأسه پعنف.
لأ... وهفضل ندمان طول عمري.
بعد أيام...
ألغت الجهة المنظمة تكريمه، وسلمت التكريم لفرق الإطفاء والإسعاف والمتطوعين اللي خاطروا بحياتهم لإنقاذ الناس.
أما أنا...
رجعت مع بنتي لبيتنا الجديد.
بيت صغير...
لكن مليان أمان.
وفي أول عيد ميلاد ليها، زرعت شجرة قدام البيت.
نفس نوع الشجرة اللي اتحرقت قدام الكوخ القديم.
ولما سألتني بنتي وهي بتكبر
ليه زرعنا الشجرة دي يا ماما؟
ابتسمت ومسكت إيدها الصغيرة.
وقلت
علشان كل نهاية صعبة... ممكن يبقى بعدها بداية أجمل.
بريت حاول يتواصل معايا أكتر من مرة.
لكنني اكتفيت برسالة واحدة.
كتبت فيها
أنا سامحتك علشان أعيش بسلام...
لكن السماح لا يعني إن الماضي هيرجع، ولا إن الثقة هتتبني من جديد.
قفلت الرسالة.
وبصيت لبنتي وهي بتجري تحت الشجرة.
وساعتها أدركت...
إن أكبر انتصار في حياتي ما كانش إني أثبت للناس الحقيقة.
كان إني نجوت...
وبنيت حياة جديدة، من غير خوف، ومن غير انتظار لأي حد ينقذني مرة تانية.