سابنى حامل وسط الطريق

موقع أيام نيوز

لوحدها وهي حامل؟
الأم ما عرفتش ترد.
لكن السؤال البسيط...
كان كافي يخلي القاعة كلها تبص لبريت بنظرة مختلفة.
وبريت لأول مرة...
خفض رأسه، وكأنه أدرك أن صورته اللي بناها قدام الناس بدأت ټنهار، بينما كنت أنا ما زلت محتفظة بالظرف المختوم في يدي... ولم يكن أحد يعرف بعد ما الذي يخفيه بداخله فضلت أبص للظرف في إيدي، والناس كلها مستنية اللحظة اللي هفتحه فيها.
لكن بدل ما أفتحه...
حطيته على الطاولة قدامي.
بريت رفع رأسه بسرعة وقال
افتحيه... خلصي الموضوع.
ابتسمت وقلت
واضح إنك حافظ اللي جواه.
ملامحه اتبدلت في ثانية.
وقبل ما يرد، تقدم مقدم الحفل وقال
بما إن كل الليلة بقت عن القصة دي... يبقى من حق الموجودين يعرفوا الحقيقة كاملة.
وافق أغلب الحضور، وبدأ الصحفيون ينقلوا الحدث مباشرة.
في اللحظة دي، رن موبايل أحد المراسلين.
رد بسرعة، وبعد ثوانٍ اتغيرت ملامحه.
بص لقائد فريق الإنقاذ وقال
فيه شخص وصل برا القاعة... بيقول إنه لازم يشهد.
قائد الفريق سأله
مين؟
رد
سائق الأتوبيس اللي كان بينقل الناجين ليلة الحريق.
ساد الهدوء مرة تانية.
وبعد لحظات، دخل رجل في أوائل الستينات.
وقف قدامي أولًا، وقال
الحمد لله إنك بخير.
ابتسمت له وأنا بحاول أتذكر ملامحه.
قال
يمكن متفتكرنيش... لأنك كنت فاقدة الوعي لما حملناكي.
ثم الټفت إلى الجميع.
أنا كنت سواق أول أتوبيس إخلاء وصل للمنطقة.
بريت أغلق عينيه للحظة.
واضح إنه كان يتمنى الليلة تخلص.
قال السائق
بعد ما المسعفين طلعوا ناتالي، سألنا لو فيه حد من أهلها موجود.
ثم بص ناحية بريت.
قالولنا إن جوزها خرج من المنطقة قبلها بوقت طويل.
أحد الصحفيين سأله
يعني ما رجعش يدور عليها؟
هز رأسه بالنفي.
لا.
ثم أضاف
الغريب إننا فضلنا أكتر من ساعة نستقبل ناجين... لكن اسمه ما اتسجلش ضمن أي حد رجع يساعد أو يسأل عنها.
إلينور صړخت فجأة
كفاية! ابني غلط... لكنه كان خاېف.
لف السائق ناحيتها وقال بهدوء
كل الليلة دي كان فيها ناس خاېفة.
وسكت لحظة قبل أن يكمل
لكن فيه فرق بين اللي بيهرب من الڼار... واللي بيسيب حد وراه.
الكلمات وقعت على القاعة في صمت.
بريت رفع رأسه لأول مرة من وقت طويل.
وبصلي مباشرة.
وقال بصوت منخفض
ناتالي... أنا مستعد أقول كل الحقيقة.
نظرت إليه دون أن أتكلم.
أخذ نفسًا طويلًا...
ثم قال
لكن لازم أفتح الظرف الأول...
ومد يده نحوه ببطء...
قبل أن تلامس أصابعه الظرف، انطفأت أنوار القاعة فجأة، وڠرقت القاعة كلها في ظلام تام، لتتعالى همسات الحضور وصوت خطوات مجهولة تقترب من المسرح تعالت أصوات الناس في القاعة.
بعضهم طلع موبايله وشغّل الكشاف، وبقت أضواء صغيرة متناثرة في كل مكان.
مقدم الحفل قال بصوت عالي
من فضلكم محدش يتحرك.
بعد أقل من دقيقة...
الأنوار رجعت تاني.
أول حاجة عملتها إني بصيت على الطاولة.
الظرف...
كان لسه في مكانه.
تنفست الصعداء.
لكن بريت كان بيبص ناحية باب جانبي في القاعة، وكأنه كان مستني حد.
لاحظ قائد فريق الإنقاذ نظراته، فأشار لاثنين من أفراد الأمن.
راحوا ناحية الباب بسرعة.
فتحوه...
لكن الممر كان فاضي.
رجعوا وهم بيقولوا
مفيش حد.
بريت حاول يستعيد هدوءه وقال
واضح إنه مجرد عطل كهرباء.
لكن فجأة...
طلع صوت من سماعات القاعة.
اختبار... واحد... اتنين.
كل الموجودين رفعوا راسهم ناحية غرفة التحكم.
الصوت كان واضح جدًا.
ثم ظهر رجل على شاشة العرض الكبيرة الموجودة خلف المسرح.
القاعة كلها اتفاجئت.
الرجل قال
أنا آسف إني قاطعت الحفل... لكن فيه حاجة لازم الناس تعرفها.
بريت صړخ
اقفلوا الشاشة!
لكن محدش اتحرك.
الرجل أكمل
أنا كنت مسؤول عن غرفة العمليات الخاصة بمتابعة الإخلاء ليلة الحريق.
ثم رفع في إيده دفترًا قديمًا.
وده سجل الاتصالات اللي استقبلناها.
أشار إلى صفحة معينة وقال
في الساعة الثامنة وسبع دقائق... وصلتنا مكالمة من سيدة حامل محاصرة داخل الكوخ.
قلبي دق پعنف.
عرفت إنها مكالمتي.
أكمل الرجل
سجلنا اسمها... ناتالي كين.
كل الأنظار اتجهت نحوي.
ثم قال
بعدها بخمس دقائق بس... وصلتنا مكالمة تانية.
بريت بدأ يتنفس بسرعة.
المتصل كان... بريت كين.
شهقة خرجت من الحضور.
قال الرجل على الشاشة
سألنا إذا كانت فرق الإنقاذ وصلت للمنطقة.
وسكت لحظة.
ثم أضاف
لما قلنا له إن الفرق في الطريق... أنهى المكالمة.
رفع أحد الصحفيين صوته
هل قال إن مراته لسه هناك؟
الرجل هز رأسه ببطء.
لا.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال
ما طلبش إنقاذها بالاسم... وما قالش إنها حامل.
القاعة كلها بقت ساكتة.
أما بريت...
فكان واقف مكانه، ملامحه شاحبة، ويده بترتعش.
وقبل ما حد ينطق بكلمة...
وصل إشعار على هاتف قائد فريق الإنقاذ.
فتح الرسالة...
وتغيرت ملامحه فورًا.
رفع رأسه ونظر إلى بريت، ثم قال
واضح إن الليلة لسه ما خلصتش... لأن فيه تسجيل صوتي للمكالمة دي اتحفظ في الأرشيف، ولسه وصلنا نسخة منه دلوقتي تجمدت القاعة كلها.
قائد فريق الإنقاذ رفع هاتفه وقال
النسخة وصلت دلوقتي.
كل الأنظار اتجهت نحوه.
بريت اندفع خطوة للأمام وقال بعصبية
مفيش داعي نشغل أي تسجيل.
ابتسم قائد الفريق وقال
لو مفيش حاجة تخاف منها... يبقى اسمع مع الناس.
مدير الحفل أشار لفني الصوت.
بعد ثوانٍ...
اتوصل الهاتف بسماعات القاعة.
خرج صوت تشويش خفيف...
ثم سمعنا صوت موظفة غرفة العمليات
غرفة طوارئ الحرائق... اتفضل.
وجاء صوت بريت واضحًا
أنا خرجت من المنطقة من شوية... وعايز أعرف الطريق هيتقفل إمتى.
ردت الموظفة
فيه فرق إنقاذ داخلة دلوقتي... هل فيه حد من أسرتك لسه جوه؟
ساد صمت في التسجيل لثوانٍ.
الكل كان مستني إجابته.
ثم قال
لأ... خلاص.
شهقة قوية خرجت من الحضور.
أنا أغمضت عيني للحظة.
لأن في نفس الدقيقة تقريبًا...
كنت أنا بكلمهم وبقول
أنا حامل... أرجوكم الحقوني.
عاد التسجيل يكمل.
الموظفة سألت مرة تانية
متأكد إن مفيش حد محتاج مساعدة في العنوان ده؟
ورد بريت للمرة الثانية
أيوه... متأكد.
انتهى التسجيل.
ساد صمت ثقيل جدًا.
ولا صوت اتسمع غير بكاء طفلة صغيرة كانت قاعدة مع أهلها.
بريت حاول يتكلم.
فتح بقه...
لكن الكلمات خانته.
أمه قربت منه وقالت وهي پتبكي
قول أي حاجة.
بص حواليه.
كل الوجوه كانت مختلفة.
الناس اللي كانت بتصفقله من ساعة...
بقت بتبصله پصدمة.
واحد من الصحفيين قال
إذن هو قال لفرق الطوارئ إنه لا يوجد أحد داخل المنزل، بينما زوجته كانت ما تزال محاصرة.
بريت رفع رأسه أخيرًا وقال بصوت مبحوح
أنا... كنت فاكر إنها خرجت.
نظرت إليه بهدوء.
وقلت
وأنت آخر واحد شافني واقفة قدام العربية.
ما ردش.
أخرجت الظرف من فوق الطاولة مرة تانية.
مررت أصابعي على الختم الأحمر.
ثم قلت
واضح إن

الوقت جه.
بدأت أفك الختم ببطء.
وفي اللحظة التي انفتح فيها الظرف...
انزلقت منه صورة قديمة، ورسالة مكتوبة بخط اليد...
وما إن وقعت عين بريت على الصورة، حتى تراجع خطوة للخلف وهمس لنفسه
مستحيل... دي لسه موجودة انحنيت بهدوء، والتقطت الصورة قبل أن يراها أحد.
لكن بريت كان قد لمحها.
ارتجفت شفتاه وقال
منين... منين جبتيها؟
رفعت الصورة أمامي، ونظرت إليها للحظات.
كانت صورة قديمة التقطناها بعد زواجنا بأيام.
كنا واقفين قدام الكوخ نفسه... نبتسم، وفي الخلفية كانت شجرة كبيرة زرعناها معًا.
خلف الصورة...
كانت هناك جملة بخط بريت.
قرأت بصوت مسموع
مهما حصل... عمري ما هسيبك لوحدك.
ساد صمت عميق في القاعة.
أحد الصحفيين قال
دي كتابته؟
مددت الصورة نحوه.
نظر إليها ثم قال
واضح جدًا إنها مكتوبة بخط واحد.
أغلقت الصورة، وأخرجت الرسالة التي كانت داخل الظرف.
كانت مطوية بعناية، وكأن أحدًا أراد أن تبقى محفوظة لسنوات.
فتحتها ببطء.
قبل أن أقرأها...
قال بريت بصوت مرتعش
لو سمحتي... بلاش.
نظرت إليه.
لأول مرة منذ بدأت الليلة، كان الخۏف ظاهرًا في عينيه أكثر من أي وقت مضى.
قلت
الغريب... إنك مش خاېف من اللي حصل.
ثم رفعت الرسالة.
إنت خاېف من اللي كتبته بإيدك.
اقتربت إلينور، أم بريت، وهي تمسح دموعها.
قالت
ناتالي... أرجوكي.
سألتها
أرجوكي على إيه؟
لم تجد إجابة.
رجعت أنظر إلى الرسالة.
كانت أول سطر فيها يقول
إذا وصلت الرسالة دي ليكي... يبقى فيه حاجة حصلت وأنا مقدرتش أشرحها.
تبادل الحضور النظرات.
أما بريت...
فأغلق عينيه للحظة، وكأنه يعرف كل كلمة مكتوبة فيها.
قلبت الصفحة إلى السطر التالي...
لكن قبل أن أقرأه بصوت
تم نسخ الرابط