سابنى حامل وسط الطريق

موقع أيام نيوز

نظرته ثابتة وقوية.
وقف قدام بريت مباشرة، وقال
أنا جاك... صاحب محطة الوقود اللي على مخرج الوادي.
بريت بلع ريقه، لكنه حاول يتظاهر إنه مش فاكره.
معرفكش.
ابتسم الرجل ابتسامة قصيرة وقال
الغريبة إنك كنت تعرفني كويس ليلة الحريق.
الصحفيون رفعوا الكاميرات، وكل القاعة بقت ساكتة.
أخرج جاك من جيب سترته دفترًا صغيرًا، فتحه على صفحة معينة، وقال
أنا بكتب كل حاجة بتحصل في المحطة من سنين.
وأشار إلى سطر مكتوب بتاريخ ليلة الحريق.
الساعة سبعة وأربعة وأربعين دقيقة... وصلت عربية سوداء، كان بيسوقها بريت كين، ومعاه والدته.
تغير لون وجه بريت.
قال بسرعة
وده يثبت إيه؟
رد جاك
استنى... لسه.
قلب الصفحة، وأكمل
طلب مني أملاله تانك العربية بالكامل.
ثم سكت لحظة قبل أن يقول
وسألني سؤال واحد.
اقترب أحد الصحفيين وسأله
قال إيه؟
تنهد جاك وقال
سألني... الطريق المؤدي للكوخ لسه مفتوح، ولا الڼار قربت تقفله؟
شهقت القاعة كلها.
بصيت لبريت، ولقيته منزل عينه في الأرض.
أكمل جاك
قلتله الطريق لسه مفتوح، لكن لازم يستعجل لو فيه حد لسه هناك.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال الرجل ببطء
بصلي... وشكرني... وبعدها لف بالعربية في الاتجاه المعاكس.
تجمدت ملامح الحضور.
واحدة من الصحفيات قالت بعدم تصديق
يعني... كان يعرف إنه يقدر يرجع.
جاك هز رأسه وقال
وأكتر من كده... كان عنده وقت كافي.
بريت صړخ فجأة
أنت راجل كبير... أكيد ذاكرتك خانتك.
ابتسم جاك، ومد يده داخل جيبه مرة تانية.
طلع إيصالًا قديمًا محفوظًا داخل غلاف بلاستيك.
وقال
علشان كده احتفظت بالإيصال.
كان عليه تاريخ الليلة نفسها... والساعة... ورقم لوحة سيارة بريت.
قائد فريق الإنقاذ أخذ الإيصال، ونظر إليه ثم رفع عينيه وقال
ده مطابق لسجلاتنا.
بريت تراجع للخلف خطوة.
وأمه إلينور أمسكت طرف الكرسي حتى لا تقع.
لكن قبل أن ينطق أي واحد منهم بكلمة...
انفتح باب القاعة مرة أخرى.
ودخلت امرأة تحمل ملفًا أزرق كبيرًا، وقالت بصوت واضح
آسفة على التأخير... لكن فيه مستندات لازم تتعرض قبل ما أي حد يحاول يبرر اللي حصل.
وفور ما لمحها بريت...
أغمض عينيه للحظة، وكأنه عرف أن الليلة لسه مخبية مفاجآت أكبر اتقدمت الست بخطوات ثابتة لحد ما وصلت قدام المسرح.
حطت الملف الأزرق على الطاولة، وبصت للحضور وقالت
اسمي لورا... وكنت مسؤولة عن متابعة طلبات تعويضات المتضررين من الحريق.
بريت حاول يقاطعها
وده ملوش أي علاقة بالموضوع.
لكنها فتحت الملف من غير ما تبصله.
وقالت
بالعكس... ليه علاقة بكل حاجة.
طلعت مجموعة أوراق، وسلمت نسخة منها لمقدم الحفل، ونسخة لقائد فريق الإنقاذ.
ثم قالت
بعد الحريق بأسبوع واحد بس، وصلنا طلب تعويض باسم الأستاذ بريت كين.
همهمات انتشرت في القاعة.
وأكملت
الطلب كان بيقول إن المنزل اتدمر بالكامل... وإن زوجته مفقودة، ويُرجح ۏفاتها.
اتسعت عيون الحضور.
بصيت لبريت، لكنه كان متجنب ينظر لي.
سأل أحد الصحفيين
يعني قدم الطلب قبل ما يتأكد إنها ټوفيت أو حتى يتم العثور عليها؟
ردت لورا
وده اللي خلانا نستغرب.
قلبت صفحة تانية وقالت
فطلبنا منه مستندات إضافية.
ابتلع بريت ريقه وقال بسرعة
وده إجراء طبيعي.
ابتسمت لورا وقالت
طبيعي فعلًا... لكن ردك هو اللي ماكانش طبيعي.
ثم رفعت ورقة أمام الجميع.
وصلنا منك خطاب

رسمي بتطلب فيه سرعة إنهاء الملف لأنك... على حد تعبيرك... بدأت حياة جديدة ومحتاج تقفل كل الالتزامات القديمة.
ساد صمت ثقيل.
الكلمات وقعت على القاعة كأنها حجر.
واحد من الحضور قال بصوت منخفض
بدأ حياة جديدة؟
بريت صړخ
الجملة دي اتفهمت غلط.
لورا أغلقت الملف بهدوء.
ممكن... علشان كده احتفظنا بكل المراسلات الأصلية.
ثم أخرجت ظرفًا أبيض مختومًا.
وقالت
وده آخر خطاب وصل من حضرتك.
مد بريت إيده بسرعة وهو يقول
الملفات دي خاصة.
لكن قائد فريق الإنقاذ وقف بينه وبينها.
قال
سيبها تكمل.
لورا نظرت إلى الظرف، ثم قالت
أنا مش هقرأه دلوقتي.
استغرب الجميع.
حتى أنا.
فسألها مقدم الحفل
ليه؟
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
لأن الشخص الوحيد اللي يحق له يفتحه... موجود في القاعة.
ثم التفتت ناحيتي.
ومدت الظرف في اتجاهي وهي تقول
الاسم المكتوب عليه هو... ناتالي كين.
مددت يدي ببطء وأخذت الظرف.
كان مختومًا بالشمع الأحمر كما هو منذ ثلاثة أشهر.
نظرت إلى بريت.
ولأول مرة منذ بدأت المواجهة...
رأيته يرتجف فعلًا.
وعرفت من نظرة عينيه...
أن ما بداخل الظرف قد يغيّر كل شيء مسكت الظرف بين إيديا.
كان تقيل بشكل غريب، وكأنه شايل أسرار أكتر من مجرد ورق.
كل القاعة كانت مستنية أفتحه.
لكن... ما فتحتوش.
رفع بريت صوته لأول مرة وهو بيقول
افتحيه... علشان الناس تعرف الحقيقة.
بصيتله بهدوء وقلت
إنت مستعجل أوي ليه؟
سكت.
عرف إن أي كلمة زيادة ممكن توقعه أكتر.
لفيت للناس وقلت
قبل ما أفتح الظرف... عندي سؤال واحد.
بصيت لبريت مباشرة.
بعد ما سبتني في الكوخ... روحت فين؟
رد بسرعة
وصلت أمي لمركز الإخلاء.
وبعدين؟
استنيت الأخبار.
وبعدين؟
بدأ يتوتر.
مش فاكر.
قلت
غريبة... لأن اليوم ده مستحيل يتنسي.
وقبل ما يرد...
خرج صوت من آخر القاعة.
أنا أقدر أفكره.
الټفت الجميع.
كان رجل في منتصف الخمسينات، لابس زي أحد الفنادق.
قرب وهو ماسك جهاز لوحي.
وقال
أنا مدير الفندق اللي نزل فيه الأستاذ بريت ليلة الحريق.
بريت شهق وقال
إنت كمان؟
الرجل هز رأسه.
احتفظنا بسجلات النزلاء لأن المنطقة كلها كانت في حالة طوارئ.
فتح الجهاز اللوحي، وقال
وصل الفندق الساعة تسعة واثناشر دقيقة مساءً.
ثم أكمل
وحجز غرفة ليلتين.
القاعة كلها بدأت تهمس.
أحد الصحفيين سأله
كان معاه حد؟
رد مدير الفندق
كان معاه والدته.
ثم توقف لحظة وهو ينظر إلى الشاشة.
والغريب... إنه رفض يخرج من الفندق تاني طول الليل، رغم إن فرق الإنقاذ كانت بتعلن إن فيه فرص لإنقاذ ناس لسه محاصرين.
نظرت إلى بريت وقلت
يعني كان عندك وقت ترجع... لكنك اخترت الأمان لنفسك.
لم يرد.
كانت أول مرة يعجز فيها عن اختراع مبرر.
مدير الفندق أغلق الجهاز وقال
وفي صباح اليوم التالي... قبل ما يغادر، سألني سؤالًا واحدًا.
تجمد بريت مكانه.
قال مدير الفندق
سألني... إمتى بيبدأ صرف تعويضات المنازل المتضررة؟
ساد الصمت.
لكن قبل أن يعلق أحد...
سمعنا صوت طرق قوي على باب القاعة.
فتح أحد المنظمين الباب.
ودخل رجل يرتدي بدلة رسمية، يحمل حقيبة سوداء عليها شعار جهة حكومية.
نظر في القاعة كلها...
ثم قال بصوت واضح
أنا بدور على الأستاذ بريت كين... ومعايا مستند لازم يستلمه بنفسه، وممنوع يتسلم لأي حد غيره.
بريت شحب وجهه...
وتراجع خطوة إلى الخلف، بينما اتجه الرجل نحوه ببطء، والحقيبة ما زالت مغلقة عمّ الصمت في القاعة.
الرجل وقف قدام بريت، وفتح الحقيبة بهدوء.
طلع منها ملف مختوم، وقال
لو سمحت... استلم.
بريت بص للملف، لكنه ما مدش إيده.
سأله الرجل
حضرتك بريت كين؟
رد بصوت مهزوز
أيوه.
سلمه الملف، ووقّعه على ورقة الاستلام.
كل الموجودين كانوا بيتابعوا في صمت.
أحد الصحفيين سأل
ممكن نعرف إيه ده؟
الرجل رد باقتضاب
دي مراسلات رسمية... ومش من حقي أعلن محتواها.
كان واضح إنه هيخرج.
لكن قبل ما يتحرك، بص ناحيتي وقال
حضرتك ناتالي؟
هزيت رأسي.
قال
أنا شوفت اسم حضرتك في الملف... وعشان كده حبيت أتأكد إنك بخير.
استغربت.
اسمي؟
أخرج ورقة صغيرة من جيبه، وبص فيها.
أيوه... لأن الملف بدأ أصلًا بعد بلاغ اتقدم ليلة الحريق.
كل الأنظار رجعت لبريت.
قلت للرجل
بلاغ عن إيه؟
رد
عن سيدة حامل اتسابت في منطقة الإخلاء، وكان مطلوب وقتها جمع كل الشهادات المتعلقة بالواقعة.
اتغير لون وش بريت مرة تانية.
قال بسرعة
الموضوع ده اتقفل.
الرجل هز رأسه.
بالعكس... اتأجل بس، لأن أهم شاهدة كانت مختفية.
ثم بصلي وقال
ولما عرفنا إن حضرتك ظهرت، اتفتح الملف من جديد.
بدأت الهمسات تزيد.
إلينور، أم بريت، كانت ماسكة الكرسي بإيديها الاتنين، ووشها بقى شاحب جدًا.
اقتربت مني وقالت بصوت واطي
ناتالي... خلينا نتكلم بعيد عن الناس.
بصيتلها بثبات.
ليه؟
قالت
فيه حاجات لو اتقالت هنا... هتدمر حياة ابني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وأنا؟
سكتت.
كملت كلامي
لما كنت واقفة وسط الڼار، محدش فيكم فكر حياتي هتتدمر ولا لأ.
في اللحظة دي...
خرج صوت طفل صغير من آخر القاعة.
كان ابن أحد الضيوف، سأل أمه بصوت واضح سمعه الجميع
هو الراجل ده ساب مراته
تم نسخ الرابط