زعيم العيلة رجع بيته_ حكايات ميرااا

موقع أيام نيوز

وقالت
هترجع قبل ما أنام؟
ابتسم وربت على رأسها.
أوعدك.
ابتسمت الصغيرة وقالت
متتأخرش... عشان عندي ليك رسمة جديدة.
هز رأسه، ثم انطلق.
توقفت السيارة أمام بيت قديم مهجور على أطراف القرية.
نزل الرجل العجوز وقال
أبوك بنى المكان ده بنفسه.
دخلوا إلى الداخل.
لم يكن في البيت شيء مميز، حتى وقف العجوز أمام مدفأة حجرية.
أدخل المفتاح في فتحة صغيرة بجانبها.
صدر صوت خاڤت...
ثم تحركت المدفأة ببطء، لتكشف عن غرفة سرية تحت الأرض.
نظر سامح إلى ياسين بدهشة.
طول السنين دي... والمكان موجود؟
نزلوا السلم.
وفي آخره كانت خزنة حديدية ضخمة.
فتحها الرجل العجوز.
لم تكن مليئة بالذهب أو الأموال كما توقعوا.
كان بداخلها صندوق خشبي، وعدة دفاتر، ورسالة مغلقة.
فتح ياسين الرسالة.
كان أول سطر فيها
يا بني... إذا وصلت إلى هنا، فأنت لم تنتصر لأنك هزمت أعداءك... بل لأنك لم تصبح مثلهم.
ابتسم ياسين بحزن وهو يكمل القراءة.
الثروة الحقيقية التي أتركها لك ليست المال، بل سمعة العائلة. إن استطعت أن تجعل الناس تذكر اسم المنشاوي بالعدل بدلًا من الخۏف، فاعلم أنني سأكون فخورًا بك.
أغلق الرسالة ببطء.
ثم فتح الدفاتر.
كانت تحتوي على أسماء عائلات ساعدها والده سرًا، وأموال أودعها لهم، ووصايا برد الحقوق إلى أصحابها.
نظر سامح إليه وقال
يعني... هنبدأ من جديد؟
هز ياسين رأسه.
أيوه.
المرة دي... هنبني، مش هنهدم.
وفي تلك الليلة...
عاد إلى القصر قبل أن تنام ليان.
كانت جالسة على الأريكة، تقاوم النوم وهي تمسك رسمة في يدها.
أول ما رأته، جرت إليه.
ناولته الورقة.
كانت الرسمة لعائلة صغيرة تقف تحت شجرة كبيرة.
وفي أعلى الورقة

كتبت بخط طفولي
البيت الحلو... هو اللي فيه ناس بتحب بعض.
نظر ياسين إلى الرسمة، ثم إلى سارة وليان.
وابتسم ابتسامة صادقة، شعر معها أن كل المعارك التي خاضها كانت تستحق... فقط ليصل إلى هذه اللحظة بعد عام كامل...
تغيّر كل شيء.
لم يعد الناس يذكرون اسم المنشاوي بالخۏف كما كان في الماضي.
صاروا يتحدثون عن المستشفى الذي افتتحه ياسين في القرية، وعن المدرسة التي تكفّل بمصاريف أطفالها، وعن صندوق المساعدات الذي أنشأه باسم والدته أمينة.
وفي صباح أحد الأيام...
كانت ليان تستعد لأول يوم لها في المدرسة.
وقفت أمام المرآة بفستانها المدرسي الجديد، ثم التفتت إلى سارة وقالت
ماما... أنا حلوة؟
ابتسمت سارة وهي تعدل ضفيرتيها.
أجمل بنت في الدنيا.
في الخارج، كان ياسين ينتظر بجوار السيارة.
فتح الباب الخلفي بنفسه، وقال مبتسمًا
يلا يا آنسة ليان.
ركبت وهي تضحك.
وفي الطريق، سألته فجأة
فاكر أول مرة شيلتني؟
ضحك.
أنساها إزاي؟
قالت وهي تنظر من النافذة
أنا فاكرة إنك كنت بټعيط.
نظر إليها ثم ابتسم.
كنت بعيط... لأن طفلة صغيرة علمتني إن القوة مش معناها إن الناس تخاف منك.
سكتت لحظة، ثم قالت ببراءة
يعني لو ماكنتش غسلت القميص... كنا مش هنبقى أصحاب؟
ابتسم وهو يهز رأسه.
يمكن.
الحمد لله إني غسلته.
اڼفجر الاثنان في الضحك.
وعندما وصلا إلى المدرسة، نزلت ليان وهي تمسك يده بقوة.
وقبل أن تدخل، استدارت وقالت
يا ياسين...
نعم؟
جرت إليه، وحضنته بسرعة.
ثم همست
شكرًا... إنك ماطردتش ماما من الشغل يومها.
تجمد في مكانه.
فهو طوال العام كان يظن أن ليان نسيت ذلك اليوم.
لكنه أدرك أن الأطفال لا ينسون اللحظات التي غيّرت حياتهم.
ربت على رأسها وقال
وأنا اللي لازم أشكرك... لأنك ډخلتي حياتي.
دخلت ليان المدرسة وهي تلوح له بيدها الصغيرة.
وقف ياسين يتابعها حتى اختفت بين الأطفال.
اقتربت منه سارة، وقالت بهدوء
لو حد قالك من سنة إن نهاية الحكاية هتبقى كده... كنت هتصدقه؟
نظر إلى السماء، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
لا...
لكن أحيانًا، أجمل النهايات بتبدأ من موقف صغير...
من طفلة حافية...
كانت بتحاول تغسل قميصًا أبيض. 
النهاية بعد خمس عشرة سنة...
وقف ياسين في نفس أوضة الغسيل القديمة.
لم يغيّرها.
رغم أن القصر كله اتجدد.
ظل الحوض كما هو، والنافذة كما هي، وحتى الكرسي الخشبي الذي كاد يتسبب في سقوط ليان، احتفظ به في ركن الغرفة.
دخلت ليان، وقد أصبحت شابة في الثامنة عشرة من عمرها.
ابتسمت وهي تنظر إلى الكرسي.
وقالت ضاحكة
لسه محتفظ بيه؟
رد ياسين مبتسمًا
ده أغلى كرسي في القصر.
ضحكت وهي تهز رأسها.
الناس تحتفظ بالتحف... وإنت محتفظ بكرسي مكسور.
اقترب منه، وربت على الكرسي برفق.
لأن هنا... بدأت حياتي من جديد.
سكتت ليان لحظة.
ثم قالت
أنا جالي قبول في كلية الطب.
رفع رأسه إليها، وامتلأت عيناه بالفخر.
بجد؟
هزت رأسها.
عايزة أبقى الدكتورة اللي كانت ماما محتاجاها يوم مرضت.
ابتسم ياسين، ولم يستطع أن يخفي دموعه.
في تلك اللحظة دخلت سارة.
نظرت إليهما، ثم قالت وهي تبتسم
واضح إنكم سبقتموني في العياط.
ضحك الثلاثة.
قالت ليان وهي تمسك يد أمها
كل اللي عندي... بدأ من يوم كنت بغسل القميص.
ردت سارة بهدوء
لا يا بنتي...
بدأ من يوم ربنا بعت في طريقنا إنسان عرف يسمع قلبه قبل ما يسمع خوفه.
نظر ياسين إليهما، ثم قال
لا...
بدأ من أم، وهي مريضة، كانت كل همها تربي بنتها على الأمانة.
ولو ما كانتش سارة ربت ليان بالشكل ده...
مكنتش حياتنا كلها اتغيرت.
اقتربت ليان منه، واحتضنته كما كانت تفعل وهي طفلة.
وقالت
هتفضل بالنسبة لي... أبويا.
أغلق عينيه، واحتضنها بصمت.
وخارج النافذة...
كانت الشمس تغرب على القصر الذي عرف يومًا الخۏف والخېانة، لكنه صار الآن بيتًا مليئًا بالحب والطمأنينة.
وهكذا، انتهت الحكاية من حيث بدأت...
بقميص أبيض...
وطفلة صغيرة...
غيّرت حياة الجميع. بعد سنوات...
كان حفل تخرج ليان من كلية الطب.
وقفت على المسرح ترتدي روب التخرج، وبين يديها شهادة طالما حلمت بها.
نادى المذيع اسمها
الدكتورة ليان سارة.
صفق الجميع.
لكن ليان لم تنظر إلى الجمهور أولًا...
كانت تبحث بعينيها عن شخص واحد.
وجدت ياسين في الصف الأول.
كان يصفق لها، وعيناه تلمعان بالفخر.
بعد انتهاء الحفل، نزلت من المسرح وركضت نحوه.
احتضنته بقوة، ثم وضعت الشهادة بين يديه.
قالت مبتسمة
دي بتاعتك.
هز رأسه مستغربًا.
لا يا بنتي... دي تعبك.
ابتسمت والدموع في عينيها.
لو يومها كنت دخلت أوضة الغسيل، وشوفت طفلة بتغسل قميصك... واخترت تعاقبها بدل ما تسمعها...
مكنتش هكون واقفة هنا النهارده.
اقتربت سارة، وقالت وهي تبتسم
ولا أنا كنت هكون واقفة هنا.
نظر إليهما ياسين، ثم قال بهدوء
يمكن ربنا كتب إن قميصًا واحدًا يغيّر مصير عيلة كاملة.
ضحكوا جميعًا.
وفي تلك اللحظة، اقترب طفل صغير من ليان، كان ابن إحدى الممرضات في المستشفى.
تعثر وسقط على الأرض.
قبل أن يبكي، انحنت ليان بسرعة، ونفضت التراب عن ملابسه، وابتسمت له.
قال لها الطفل بخجل
أنا آسف.
ابتسمت وهي تذكرت نفسها قبل سنوات طويلة.
وقالت بنفس الجملة التي سمعتها يومًا من ياسين
ولا يهمك...
القميص مش أهم من الإنسان.
وقف ياسين يراقبها من بعيد، وشعر أن الدائرة اكتملت.
فالرحمة التي أنقذت ليان وهي طفلة...
كبرت معها.
وصارت هي بدورها تمنحها لكل من يحتاجها.
وهكذا بقي أثر ذلك اليوم، لا في القصر فقط، بل في كل حياة لمستها ليان بعد ذلك. بعد عشر سنوات أخرى...
كانت الدكتورة ليان تقف في قسم الطوارئ بالمستشفى الذي حمل اسم مستشفى أمينة المنشاوي.
دخلت ممرضة مسرعة وهي تقول
يا دكتورة... في راجل كبير تعبان، ومفيش معاه حد.
خرجت ليان بسرعة.
وجدت رجلًا بسيطًا، ملابسه قديمة، ويداه ترتجفان.
أول ما رآها، حاول يقوم وهو يقول بخجل
أنا آسف... معيش فلوس.
ابتسمت ليان وجلست أمامه.
وقالت
مين قال إننا هنسألك على الفلوس؟
بدأ الرجل يبكي.
همس
كل المستشفيات رفضت تستقبلني.
مسكت يده وقالت
هنا... محدش بيترفض.
من بعيد، كان ياسين، وقد غزا الشيب شعره، يراقب المشهد.
اقتربت منه سارة، التي بدا الزمن على ملامحها أيضًا، وقالت
بتبص على إيه؟
ابتسم وهو يشير إلى ليان.
فاكرة أول مرة شفتها؟
ضحكت سارة.
وهي واقفة في حوض الغسيل.
هز رأسه.
وقتها كانت بتحاول تنقذ شغل أمها...
ودلوقتي بقت بتنقذ أرواح الناس.
سكت قليلًا، ثم قال
يبقى أبوها وأمها ربّوها صح.
ابتسمت سارة، ونظرت إليه قائلة
وإنت كمان.
وفي
تلك اللحظة، خرجت ليان من غرفة الكشف.
وقالت وهي تبتسم
المړيض بخير.
ثم نظرت إلى ياسين وسارة، ومدت يدها إليهما.
أمسك كل واحد منهما بيدها.
وسار الثلاثة معًا في ممر المستشفى.
فوق المدخل كانت لوحة كبيرة مكتوب عليها
الرحمة لا تُنسى... وقد تغيّر حياة إنسان.
ابتسم ياسين وهو يقرأها.
فقد أدرك أخيرًا أن أعظم إرث يتركه الإنسان ليس المال ولا النفوذ...
بل الرحمة التي يزرعها في قلوب الآخرين.
تمت الحكاية.

تم نسخ الرابط