رواية جديدة
الاسم ده... هو اسم قاضٍ متقاعد كان شاهد على بعض العقود دي من سنين.
ندى قالت بابا كريم كان دايمًا يقول إن الراجل ده هو الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة.
ياسر طلب من أحد الضباط يتحرى عن عنوانه فورًا.
لكن بعد أقل من خمس دقائق، جاله اتصال.
رد، وسكت للحظات.
ثم قال إمتى؟
كل اللي واقفين حسوا إن فيه مصېبة.
قفل التليفون وبص لرنا.
وصلنا متأخر...
يعني إيه؟
الراجل اتوفى النهارده الصبح.
رنا نزلت دموعها.
كل مرة كانوا يقربوا من الحقيقة، يلاقوا باب بيتقفل.
لكن الضابط اللي كان واقف جنب ياسر قال فجأة يا فندم... في حاجة غريبة.
إيه؟
الجيران بيقولوا إن قبل الۏفاة بساعة، الراجل سلّم صندوق مقفول لمحامي، وقال له
الصندوق ده يتفتح بس لو رنا وصلت تدور على الحقيقة بنفسها.
رنا بصت لياسر، وهو لأول مرة ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
واضح إن جدك ماكانش الوحيد اللي كان محضر للحقيقة...
وكانت بداية كشف أسرار أكبر بكتير مما تخيلته رنا تاني يوم الصبح، رنا وياسر راحوا مكتب المحامي.
المحامي كان راجل كبير في السن، أول ما شاف رنا، سألها
إنتِ رنا؟
هزت رأسها.
فتح درج مكتبه، وطلع صندوق خشبي صغير مقفول بالشمع الأحمر.
قال
الراجل سلّمهولي بنفسه، وقال جملة واحدة لو البنت دي وصلت لحد هنا، يبقى أوان الحقيقة جه.
قطع الشمع، وفتح الصندوق.
كان جواه فلاشة، ومظروف، ومفتاح قديم.
رنا فتحت المظروف بسرعة.
كان فيه خطاب مكتوب بخط القاضي
يا رنا، لو وصلتي للجواب ده، فاعرفي إن اللي ظلمك مش شخص واحد، دي سلسلة من الأكاذيب بدأت من سنين. لكن فيه شخص واحد رفض يشارك في اللي حصل، ولما رفض، حاولوا يلبسوه التهمة.
رنا رفعت رأسها بسرعة.
مين؟
ياسر شغل الفلاشة على اللابتوب الموجود في المكتب.
ظهر تسجيل فيديو.
القاضي كان قاعد قدام الكاميرا، وقال
أنا بسجل الكلام ده لأن حياتي بقت في خطړ. كل العقود اللي اتزورِت كانت بتمر على مكتب محاسب اسمه فؤاد، لكن الشخص اللي بلغني أول مرة بالتزوير كان... كريم.
رنا شهقت.
كريم؟!
التسجيل كمل
كريم جه لي من 8 شهور، وقال إنه اكتشف اللي بيعمله والده، وطلب مني أساعده يوقفه. لكن بعدها بأيام اختفى، ولما رجع كان متغير تمامًا. واضح إنه اتعرض لضغط أو ټهديد، ومن يومها بقى بينفذ أوامر أبوه.
ساد الصمت.
رنا كانت مش قادرة تستوعب.
كل اللي عاشته خلاها تكره أخوها، لكن التسجيل كشف إن الحقيقة أعقد من كده.
وفي نفس اللحظة، رن هاتف ياسر.
رد بسرعة.
بعد ثوانٍ، اتغيرت ملامحه.
رنا سألته بقلق
في إيه؟
قال
والدك طلب يقابل النيابة دلوقتي... وبيقول إنه مستعد يعترف باعتراف أخير، لكن بشرط واحد.
إيه هو؟
ياسر بص لرنا وقال
قال إنه مش هينطق بكلمة... إلا لو إنتِ بنفسك حضرتي التحقيق رنا فضلت ساكتة ثواني.
كانت محتارة.
جزء منها كان رافض يشوف أبوها تاني، والجزء التاني كان عارف إن الحقيقة الكاملة لسه ما ظهرتش.
بص لها ياسر وقال
القرار ليكي... لكن لو عنده اعتراف مهم، ممكن يغيّر مجرى القضية.
أخذت نفسًا عميقًا وقالت
هروح.
دخلت غرفة التحقيق.
أبوها كان قاعد، لأول مرة شكله مكسور.
أول ما شافها، نزل بعينه في الأرض.
قال بصوت واطي
عارف إنك مش هتسامحيني... وأنا حتى مش طالب ده.
رنا ما ردتش.
وكيل النيابة قال
اتفضل... قول اللي عندك.
الأب أخرج ظرفًا صغيرًا من جيبه، وسلمه لوكيل النيابة.
وقال
ده أصل العقود اللي كنت مخبيها... وكل واحد شارك معايا اسمه مكتوب جواها.
فتح وكيل النيابة الظرف.
كان فيه عقود أصلية، وإيصالات، وكشف حسابات.
ثم قال الأب
كريم غلط... لكنه غلط لما خاف مني وسكت. أما التزوير، وتحويل الفلوس، والكذب على رنا... كله كان بأوامر مني.
رنا كانت تسمع وهي دموعها بتنزل في صمت.
ثم قال الأب جملة لم يتوقعها أحد
وفي حاجة محدش يعرفها...
ال ألف جنيه..
ولا جنيه منهم اتصرف.
وكيل النيابة سأله
أمال راحوا فين؟
قال
حطيتهم في خزنة بالبنك باسم شركة، لأني كنت فاكر إن رنا في الآخر هترضخ وترجع تعيش معانا، وساعتها هرجعلها الفلوس كأني بعمل فيها جميل.
أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
ده مفتاح الخزنة.
ثم نظر إلى رنا وقال
كنت فاكر إني بلمّ العيلة... لكن أنا اللي ضيعتها.
ساد صمت طويل.
خرجت رنا من غرفة التحقيق وهي تشعر بثقل سنوات كاملة انزاح عن صدرها.
اقترب منها ياسر وقال
القضية هتاخد وقت، لكن حقك هيرجع.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ شهور.
وقالت
أهم حاجة إني بطلت أخاف... وبقيت أعرف إن الحقيقة، مهما اتدفنت، بيجي يوم وتظهر.
النهاية.