رواية جديدة
قريبة من معرفة الحقيقة.
بعد ساعة، استأذنت من الخدم إني هاخد مريم للدكتور عشان أطمّن على الچرح اللي في جبينها.
ماحدش اعترض.
وصلت المستشفى.
دخلت الكافتيريا.
ولقيت محمود قاعد في آخر ترابيزة، لابس كاب ونضارة شمس.
أول ما قعدت قدامه، بص على چرح مريم، واتغيرت ملامحه.
مسح على شعرها بحنان، وقال
كبرت أوي.
مريم ابتسمت من غير ما تعرف إنه خالها.
بعدين بصلي.
فين المفتاح؟
طلعته من شنطتي، وحطيته قدامه.
أخده، واتنهد.
أبوكي كان عارف إن اليوم ده هييجي.
قلت بلهفة
قولي الحقيقة.
فتح شنطة صغيرة كانت معاه، وطلع منها ملف أزرق قديم.
حطه قدامي.
وقال
قبل ما تفتحيه... لازم تعرفي إن اللي جواه هيخلي ناس كتير تخاف... لأن الموضوع مش متعلق بفستان، ولا حتى بالشركة.
بل متعلق بحاجة بدأت... قبل جوازك من ياسين بسنين بصيت لمحمود في ذهول.
يعني إيه؟
سحب نفسًا طويلًا، وقال بهدوء
فاكرة أول مرة اتعرفتي فيها على ياسين؟
هزيت راسي.
كان في مؤتمر استثماري... واتقابلنا بالصدفة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
لا... ماكانتش صدفة.
اتجمدت مكاني.
قصدك إيه؟
فتح الملف الأزرق، وطلع منه صورة قديمة.
كانت صورة ليا... وأنا خارجة من الجامعة.
واضح إنها متصورة من بعيد.
قلب الصفحة اللي بعدها.
صورة تانية.
ثم تالتة.
كلها ليا... في أماكن مختلفة، وعلى فترات متباعدة.
حسيت بقشعريرة.
مين اللي كان بيصورني؟
قال محمود
الشركة اللي أبوكي كان مأجرها للحراسة الخاصة. بعد ما وصلت تهديدات للعيلة وقتها، كان لازم يبقى فيه متابعة ليكي من غير ما تعرفي.
تنفست براحة بسيطة.
لكن محمود كمل
بعد فترة، طلبنا منهم يوقفوا أي متابعة... لكن اكتشفنا إن حد كان لسه بيطلب تقارير عنك.
مين؟
هز رأسه.
معرفناش وقتها.
قلب آخر ورقة في الملف.
كانت نسخة من عقد قديم.
وأشار إلى اسم مكتوب فيه.
ده اسم الشخص اللي دفع فلوس المتابعة بعد ما العيلة وقفتها.
بصيت بسرعة على الاسم...
واتسعت عيني.
الاسم ماكانش ياسين.
وماكانش حد من عيلته.
كان اسم شخص أعرفه كويس...
مدير مكتبه، سامح.
افتكرت كل حاجة حصلت في اليوم اللي الفستان اتقطع.
سامح هو أول واحد قال إن الكاميرات أثبتت إني دخلت الأوضة.
وهو نفسه اللي قال إن الكاميرا الداخلية كانت عطلانة.
وهو أول واحد وصل قبل أي حد لما حصلت المشكلة.
رفعت عيني لمحمود.
يعني سامح هو اللي بيرتب كل ده؟
قال بهدوء
لسه مانقدرش نجزم... لكن واضح إنه موجود في الصورة من زمان.
وقبل ما أتكلم...
تليفون محمود رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
رد بسرعة.
وبعد ثوانٍ قال
إيه؟! إمتى؟
قفل المكالمة، وبصلي بجدية.
لازم نتحرك حالًا.
قلقت.
حصل إيه؟
قال وهو بيقف
ياسين خرج من الشركة... ورايح على البنك.
بصيت للمفتاح اللي في إيده.
ثم إليه.
وسألته
هو يعرف حاجة عن الخزنة؟
رد وهو بيتجه للباب
لسه لأ...
لكن لو وصل هناك قبلنا، ممكن الحقيقة تضيع للأبد وصلنا البنك قبل ياسين بدقائق.
أنا، ومحمود، وأخويا أحمد، لأن محمود كان اتصل بيه في الطريق.
دخلنا الخزائن الخاصة، وقدمت بطاقتي والمفتاح النحاسي.
الموظف راجع البيانات، وبعدين فتح باب حديد تقيل.
قدامنا كانت الخزنة رقم 18.
قلبي كان بيدق پعنف.
فتحتها...
ماكانش فيها فلوس ولا دهب.
كان فيها فلاشة، ومجموعة مستندات، ورسالة أخيرة من أبويا.
فتحت الرسالة.
يا داليا... لو وصلتي لهنا، يبقى انتي أخيرًا اخترتي الحقيقة بدل الصمت. أنا ماعرفش هيكون مين ظلمك، لكن أعرف إن الدليل أقوى من أي كلام. احتفظت بنسخ من كل العقود، وكل التسجيلات، وكل ما يثبت حقوقك. وما تسمحيش لحد ېخوفك تاني.
شغلنا الفلاشة على لابتوب محمود.
ظهر فيديو من كاميرات الشركة.
كان بتاريخ ليلة تجهيز المعرض.
ظهر سامح، مدير مكتب ياسين، وهو داخل غرفة العرض بعد خروج العمال.
بعدها بدقائق دخلت ريهام تبحث عن ملف.
سامح أخفى الفستان، وأخرجه بعد لحظات وهو ممزق بمشرط.
ثم وضعه في المكان الذي عُثر عليه فيه.
بعدها أخذ بعض ملفات الشركة ووضعها في حقيبة سوداء.
كل شيء كان واضحًا.
وفي تسجيل آخر...
ظهر سامح وهو يتصل بشخص ويقول
أول ما ياسين يشك في مراته، هيبقى
سهل نسيطر على قراراته في الشركة.
بعد دقائق، وصل ياسين إلى البنك.
دخل وهو يلهث.
ولما شاف الفيديو...
وقع على الكرسي.
كان مصدومًا.
بصلي وقال بصوت مكسور
أنا ظلمتك.
أول مرة أشوف الندم في عينيه.
لكني كنت هادئة.
قلت
المشكلة مش إنك اتهمتني.
المشكلة إنك اخترت تصدق الاتهام قبل ما تدور على الحقيقة.
وإن بنتك كانت بتنادي عليك وهي مصاپة... واخترت تدور على المذنب قبل ما تطمن عليها.
خفض رأسه.
أما سامح، فتم القبض عليه بعد تسليم التسجيلات للشرطة.
واعترف أنه كان يعمل مع مجموعة بتحاول الاستيلاء على بعض مشروعات الشركة، وإنه لفّق الأدلة لإشعال الخلاف داخل البيت وإبعاد ياسين عن إدارة أعماله.
أما ريهام...
فاتضح أنها صدقت رواية سامح دون أن تعرف الحقيقة، ولم تكن شريكة في التخطيط، لكنها اعترفت بخطئها وقدمت شهادتها كاملة.
بعد أسابيع...
رفعت دعوى طلاق.
مش لأن الكرامة ما ينفعش ترجع...
لكن لأن الثقة لما
تنكسر، مش بترجع زي الأول.
خرجت من بيت المنشاوي وأنا ماسكة إيد مريم.
ورجعت لأول مرة من سنين بيت عيلتي.
استقبلني إخواتي الخمسة على الباب.
ولا واحد فيهم سألني ليه رجعتي؟
كل اللي عملوه إنهم حضنوني.
بعد شهور، بدأت شغلي من جديد.
مش باسم عيلتي...
باسمي أنا.
أما ياسين، فكان يشوف مريم بانتظام، وحاول سنين يصلح علاقته بيها، لأنه فهم متأخر إن الأبوة مش سلطة... الأبوة مسؤولية.
وفي يوم، سألتني مريم وهي بترسم
يا ماما... هو الحق بيتأخر ليه؟
ابتسمت، وقلت لها
لأنه ساعات بيحتاج ناس تفضل متمسكة بيه لحد ما يظهر.
هزت رأسها، وكملت رسمها.
أما أنا...
فبصيت للشمس وهي داخلة من الشباك، وعرفت إن أصعب قرار أخدته في حياتي...
كان هو أول خطوة لحياة أهدى، وأصدق، وأكرم.