تزعل ده ايه حكايات نورهان العشري

موقع أيام نيوز

فين.
كانت عايزة تعرف الحقيقة بنفسها الأول.
وصلت للمكان اللي الراجل حدده، كان مكتب محاماة قديم في وسط البلد.
أول ما دخلت، قام رجل في الخمسينات من عمره ورحب بيها.
قال
أنا آسف إني كلمتك بالطريقة دي... لكن كان لازم أتأكد إن محدش هيكون معاكي.
قالت بحذر
حضرتك تعرفني؟
ابتسم وقال
أعرف والدك الله يرحمه... وأعرف إنه كان راجل ما يحبش يسيب حق حد.
مد لها ملفًا سميكًا.
الملف ده وصلني من فترة، لكن ما كانش ينفع أسلمه غير لصاحبته.
فتحت الملف.
لقيت نسخًا من أوراق كانت شافتها قبل كده، لكن المرة دي معاها ملاحظات مكتوبة بخط اليد.
سألته
يعني إيه الكلام ده؟
قال
والدك قبل ۏفاته كان مرتب جزءًا من أمواله لأولاده بالتساوي، وكان حريص إن نصيبك يفضل باسمك، وما يتصرفش فيه إلا بموافقتك الكاملة. بعد ۏفاته، حصلت إجراءات كتير، ولازم نراجعها علشان نتأكد إن كل حاجة تمت بشكل صحيح.
تنفست ماجدة الصعداء.
على الأقل، مفيش حاجة ضاعت من غير أمل.
قال المحامي
أنا مش باتهم حد، لكن لازم كل ورقة تتراجع، لأن أي تصرف لازم يكون واضح ومثبت.
هزت رأسها وقالت
أنا مش عايزة غير حقي... وحق ولادي.
...
في نفس الوقت، كان سعد قاعد لوحده في البيت.
أخرج ألبوم الصور القديم.
قلب صفحاته.
صورة يوم فرحهم.
صورة أول مولود.
صورة العقيقة.
وصورة مريم وهي صغيرة، وهو شايلها على كتفه.
افتكر كل مرة ماجدة كانت بتقف جنبه، وكل مرة دافع فيها عن أمه وساب زوجته تزعل.
لأول مرة، حس إنه خسر حاجة أكبر من أي فلوس.
...
أما حماته، فكانت بتحاول تتصل بأكثر من شخص علشان تعرف الظرف وصل لماجدة ولا لا.
لكن كل المحاولات انتهت بلا نتيجة.
وفي آخر النهار، سمعت خبطة على الباب.
فتحت.
كان كبير العيلة.
قال لها بهدوء
بكرة بعد العصر، كل أفراد العيلة هيجتمعوا تاني.
سألته بتوتر
ليه؟
رد وهو ينظر إليها مباشرة
لأن فيه أوراق اتراجعت... وفيه حقائق اتأكدنا منها.
ثم أضاف قبل أن ينصرف
واللي هيطلع غلطان... هيعتذر قدام الجميع.
أغلق الباب خلفه.
جلست على الكرسي، وشعرت لأول مرة أن الأمور خرجت تمامًا من يدها... بينما كانت ماجدة تستعد للجلسة القادمة، وهي تعرف أن كل كلمة ستقال فيها قد تغير مستقبل عائلتها، لكنها لم تكن تعرف أن مفاجأة أخرى كانت في انتظارها داخل ذلك الاجتماع في اليوم التالي، امتلأ بيت كبير العيلة قبل الموعد بساعة.
الرجال في ناحية، والستات في ناحية، وكل واحد مستني يعرف إيه اللي هيحصل.
دخلت ماجدة وهي ماسكة إيد بنتها مريم، وبعدها بدقائق دخل سعد.
لأول مرة من سنين، مشي ناحية مراته وقعد جنبها، متجاهل نظرات أمه.
حماته عضت على شفايفها من الغيظ، لكنها ما اتكلمتش.
بعد دقائق، وقف كبير العيلة وقال
النهارده مفيش خناق... النهارده كل واحد هيسمع وبس.
أخرج ملفًا ووضعه على الترابيزة.
راجعنا كل الأوراق، واتأكدنا إن كل الإجراءات اللي تمت وقت موضوع المعاش كانت بموافقة ماجدة، لكن الموافقة دي كانت مبنية على إنها فاهمة إن الهدف مصلحة بيتها وأولادها، مش أي حاجة تانية.
لف ناحية حماتها وقال
ولو كانت عرفت إن الفلوس هتستخدم علشان يتجهز بيها جواز تاني لابنك... عمرها ما كانت هتوافق.
ساد الصمت.
حمات ماجدة قالت بعناد
وأنا عملت إيه؟ الفلوس دخلت البيت.
رد كبير العيلة
دخلت البيت... لكن النية كانت غلط.
ثم نظر إلى سعد.
وإنت غلطت لما سبت أمك تدير حياتك، من غير ما تسأل مراتك أو تحميها.
نزل سعد رأسه في الأرض.
قام من مكانه، ووقف قدام الجميع.
وقال بصوت مسموع
أنا باعتذر...
اعتذر لماجدة قدام كل العيلة.
واعتذر لأولادي...
واعترف إني قصرت في حقهم.
كل الموجودين بصوا لبعض في دهشة.
حماته قامت بعصبية وقالت
يعني هتذل أمك علشانها؟
لف سعد ناحيتها وقال بهدوء
لا يا أمي... أنا برد كرامة مراتي اللي ضاعت وأنا ساكت.
الكلمة وقعت على حماته كأنها صاعقة.
...
وقبل ما الاجتماع ينتهي، وقف واحد من أعمام سعد وقال
بما إن الحقيقة ظهرت، يبقى لازم كل واحد يرجع الحق لصاحبه.
ثم أخرج ورقة من جيبه.
دي كشف بالحسابات اللي اتصرفت من فلوس البيت في آخر كام سنة... واتفقنا كل المصاريف الشخصية اللي ملهاش علاقة بالبيت هتترد.
اتغير لون وش حماتها.
كانت أول مرة تحس إن محدش بيدافع عنها.
لكن وهي قاعدة، رفعت رأسها فجأة وقالت بثقة غريبة
إنتوا فاكرين إن دي كل الحقيقة؟
الكل بص لها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
لسه فيه حاجة محدش يعرفها... ولو قلتها دلوقتي، يمكن ماجدة نفسها هي اللي تقوم تسيب البيت بإرادتها.
نظر الجميع إلى ماجدة...
أما ماجدة، فثبتت نظرها في حماتها وقالت بهدوء
قولي... أنا مش بخاف من الحقيقة.
وساد الصمت في المجلس، بينما الجميع ينتظر الكلمة التالية من حماتها حمات ماجدة ابتسمت ابتسامة كلها تحدي، وقالت
فاكرة يا ماجدة أول سنة جواز لما سعد جاله عرض شغل في محافظة تانية؟
ماجدة هزت رأسها.
أيوه... قالولي وقتها إن الشركة رجعت في كلامها.
قالت حماتها وهي تبص لسعد
الشركة ما رجعتش في كلامها... أنا اللي قلتله يرفض.
سعد رفع رأسه فجأة.
إيه؟
أيوه... كنت عارفة إنك لو سافرت واستقليت ببيتك، عمرك ما هترجع تسمع كلامي.
ساد صمت ثقيل.
وأكملت
وكل مرة كنتوا تتفقوا على حاجة، كنت ألاقي طريقة أخليكم تختلفوا. مرة أقول لماجدة إنك زعلان منها، ومرة أقولك إنها مش مقدراك.
ماجدة أغمضت عينيها.
افتكرت مواقف كتير كانت مستغربة سببها.
مرة سعد رجع البيت متضايق من غير سبب.
ومرة هي فضلت أسبوع ما بتكلموش لأنها كانت فاكرة إنه قال عليها كلام وحش.
دلوقتي... كل حاجة بقت مفهومة.
سعد قال بصوت مكسور
يعني عشر سنين... وإحنا پنتخانق بسبب كلام منك؟
ردت أمه بمنتهى البرود
كنت بعمل اللي أشوفه صح.
وقف سعد فجأة.
لا... اللي كنتِ بتعمليه ظلم.
ثم الټفت لماجدة، وقال أمام الجميع
أنا عارف إن الاعتذار مش هيصلح اللي فات... لكن أوعدك، من النهارده محدش هيتدخل بينا تاني.
ماجدة بصت له، لكن ملامحها فضلت هادئة.
قالت
الكلام سهل يا سعد... اللي صعب إن الثقة ترجع.
رد
وأنا مستعد أستنى مهما طال الوقت.
كبير العيلة ابتسم وقال
أهو ده أول كلام عاقل يتقال من الصبح.
ثم أنهى المجلس، وخرج الناس واحدًا وراء الآخر.
لكن قبل ما ماجدة تخرج، قربت منها حماتها.
وقالت بصوت واطي محدش غيرها سمعه
فاكرة إنك كسبتي؟
بصتلها ماجدة بثبات.
قالت حماتها
الحړب بينا لسه ما خلصتش.
ابتسمت ماجدة لأول مرة من قلبها، وقالت
لا يا حاجة... الحړب خلصت يوم ما الحقيقة ظهرت. اللي باقي دلوقتي... حساب كل واحد مع نفسه.
وسابتها ومشيت، بينما حماتها فضلت واقفة مكانها، لأول مرة من سنين، من غير حد يصدق كلامها أو ينفذ أوامرها مرت أيام قليلة، والبيت بقى هادئ بشكل غريب.
لا حماتها بقت تدخل عليهم كل شوية، ولا سعد بقى ينقل أي كلام من حد.
لكن الهدوء ده ما كانش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.
كان معناه إن كل واحد بيحاول يصلح اللي اتكسر.
في صباح أحد الأيام، كانت ماجدة بتحضر الفطار، وسعد جه وقف جنبها وقال
لو وافقتي... أنا عايز نبيع البيت ده ونبدأ في مكان جديد بعيد عن أي مشاكل.
بصتله وسألته
وهتسيب أمك لوحدها؟
قال بعد تفكير
مش هسيبها... هفضل ابنها وأزورها وأصرف عليها لو احتاجت، لكن مش هسمح لحد يدخل بيني وبين مراتي تاني.
ماجدة ما ردتش.
لكن لأول مرة، حست إن الكلام خارج من قلبه.
...
في نفس اليوم، كانت حماتها قاعدة في بيتها لوحدها.
البيت اللي كان زمان مليان ناس، بقى ساكت.
ولاء وأهلها قطعوا كل علاقة.
قرايبها بقوا يزوروا ماجدة أكتر منها.
حتى الجارات اللي كانوا بيسمعوا كلامها، بقوا يقولوا
الست دي صبرت كتير.
الكلام كان
تم نسخ الرابط