مش انا بقلم نورهان العشري
المحتويات
العشري
سكت حسن تماماً.. السكوت كان ومخيف، لدرجة إني سمعت صوت أنفاسه العالية والمترددة، وكأنه بدأ يفكر في الكلام ويهتز من جوة.
وفي اللحظة اللي كنت مستنية رده، سمعت صوت قفل الباب الوراني لبيتي وهو بيتفتح، وصوت خطوات جوزي برة وهي بتقرب.. في ثانية الډم هرب من عروقي، والتليفون كان هيقع من إيدي من الړعب! حكايات نورهان العشري
جمدت في مكاني، التليفون لسه على ودني وصوت حسن عمال يقول ألو.. ألو يا مدام نهى؟
حسيت ب فهد واقف ورايا، طوله وهيبته اللي كنت بحس بالأمان فيهم، اتحولوا في ثانية لكتلة ڼار قايدة. لفيت ببطء وأنا بنزل التليفون وإيدي بتترعش، كان واقف مربع إيديه، وعينيه اللي زي الصقر فيها نظرة ڠضب خلت ركبي تخبط في بعضها.
فهد قرب خطوة واحدة، وصوته طلع واطي ومكتوم، بس مليان ړعب
بتكلمي مين يا نهى؟
بلعت ريقي وأنا حاسة إن حنجرتي ناشفة زي الحجر، حاولت أداري الموبايل ورا ضهري وأتكلم طبيعي بس صليت في الكلام
ف.. فهد؟ حمد الله على السلامة يا حبيبي، ده.. دي مها صاحبتي كنت ب...
مكملتش الكلمة ولقيت إيده السريعة والقوية شدت الموبايل من إيدي، بص في الشاشة وقرأ الاسم، وشوفت عروق وش ورقبتة وهي بتبرز ولون عينيه اللي بقت ډم. بصلها بذهول وصدمة كأنه مش مصدق إن دي مراته، و قالي بصوت زلزل المكان كله
حسن جوز مها؟! إنتِ بتستغفليني يا نهى؟ بتكلمي راجل غريب في التليفون ومن ورايا؟
حكايات نورهان العشري
دموعي نزلت من الړعب، وقربت منه وأنا بحاول أمسك هدومه
والله العظيم يا فهد
أنت فاهم غلط! مها كانت بټموت قدامي واترجتني أكلمه، أنا مكنتش بعمل حاجة غلط، أنا كنت بصلح بينهم.. كنت بقول كلمة حق!
زق إيدي پعنف وهو بيبصلي بنظرة كره وعمري ما شوفتها في عينيه قبل كدة، وقال بلهجة حاسمة وقاطعة حكايات نورهان العشري
كلمة حق؟ أخس عليكي. بقى أنا اللي كنت بقول للناس كلها مراتي خط أحمر، و مبسمحش لحد يقولك حرف،. تعملي فيا كدا؟ إنتِ خدعتيني وكسرتي كلامي، وضحكتي عليا!
سابني واقفة مكاني بنهار، ودخل الأوضة ورزع الباب وراه رزمة هزت البيت كله. حكايات نورهان العشري
فضلت طول اليوم قاعدة في الصالة، بناتي نايمين جوة، وأنا بمۏت في كل ثانية، مستنية يخرج، مستنية يزعق، بس السكوت كان أصعب.
لحد ما الساعة جه عشرة بالليل.. الباب اتفتح وخرج فهد. كان مغير هدومه، ووشه خالي من أي تعبير، بارد زي الثلج. بصلي وقال بكلمتين اتنين مفيش غيرهم، بس كانوا كفيلين ينهوا حياتي
قومي البسي.. يالا عشان أروحك بيت أهلك.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، حسيت إن الأرض بتلف بيا والدنيا اسودت في عيني. قمت من مكاني وأنا رجلي مش شيلاني، جريت عليه ودموعي نازلة شلالات، مسكت في كمام قميصه وكان جسمي بيترعش و صړخت صړخة مكتومة مليانة قهر وألم
ليه كدة يا فهد؟ عشان خاطر ربنا بلاش تعمل فيا كدة! والله العظيم ما كنت أقصد حاجة وحشة.. أنا قولت أصلح بينهم، قولت بعمل خير وبنقذ بيت صاحبتي من الخړاب.. مكنتش أعرف إن الخير هيكسرني معاك بالشكل ده!
فهد كان واقف زي الجبل، مبيتحركش، ولا حتى رمش ليه جفن. الڠضب اللي كان جواه مبقاش ېصرخ بيه، بالعكس، اتقلب لبرود حارق، برود يوجع أكتر من أي زعيق. ملامحه كانت حزينة، عينه اللي كانت دايماً بتلمع بالحب ليا، كان فيها نظرة خيبة أمل دابحاني، بس كبريائه ورجولته مانعينه يبين كسرة قلبه مني.
حاولت ألمس وشه، وأنا بشهق من كتر العياط
فهد.. بص في عيني، أنا نهى حبيبتك.. أنت عارفني وعارف تربيتي، أنا عمري ما فكرت أكسر كلمتك ولا أعمل حاجة تزعلك.. عشان خاطري وخاطر بناتنا متعملش فيا كدة وتصغرني قدام أهلي! حكايات نورهان العشري
شال إيدي من على وشه بالراحة، بس بقسۏة خلت قلبي يتخلع من مكانه. أخد نفس طويل، كأنه بيطفي بيه الڼار اللي قايدة في صدره، وبصلي بنظرة كلها ۏجع وعتاب مكتوم، وقال بصوت حاد، واطي، وراسي
أنا مش هصغرك يا نهى.. ولا هقول لأهلك إنك كلمتي راجل غريب من ورايا. حكايات نورهان العشري
سكت ثانية، وبلع ريقه وصوته اتهز لأول مرة وهو بيكمل
أنتِ اللي هتقوليلهم. أنك كسرتي ثقتي فيكِ.. نزلتِ كلمتي الأرض عشان خاطر حاجة تافهة. عشان كدة، قومي البسي، روحي اقعدي مع والدك.. احكيله اللي حصل ده بالتفصيل، قوليلي كل اللي عملتيه من ورا جوزك، وشوفي هيقولك اللي عملتيه صح ولا غلط.. شوفي هيقبل إن بنته تعمل كدة في جوزها ولا لأ.
كل كلمة منه كانت بتدخل في قلبي زي السکينة، الهوا كان مشحون بالألم بيننا؛ حب سبع سنين، والأمان اللي عشته ، كله كان بيتهز في اللحظة دي بسبب لحظة تسرع. لف ضهره ليا ومشي خطوتين ناحية الباب وهو بيقول بنبرة منهكة ومچروحة
أنا مستنيكِ في العربية.. متتأخريش عشان البنات نايمين ومش عايزهم يحسوا بحاجة.
بعد أسبوع كنت قاعدة في الصالة عند أهلي، ضامة ركبي لصدري وببكي بحړقة ونشيج طالع من جوة قلبي. فهد جابني وسابني ومشي بعد ما حكى لبابا الخطوط العريضة من برة، وسابني أنا أواجه المقصلة.
أمي كانت واقفة فوق راسي، وشها أحمر من الڠضب وزعقها بيرج الحيطة
يا خيبتك القوية يا نهى! و يا خيبة أملي فيكِ! بتكلمي راجل غريب ومن ورا جوزك؟ وبتقولي بعمل خير؟ إنتِ عبيطة يا بت ولا مخك ده طار؟! خربتِ بيتك بإيدك عشان خاطر الناس!
أبويا قاعد على الكرسي، باصص للأرض بأسى وخيبة أمل دابحاني، اتنهد وقال بصوت كله كسرة حكايات نورهان العشري
يا خسارة تربيتي فيكِ يا نهى.. فهد اللي كان بيقف لأمه وأخواته عشانك، فهد اللي كان شايلك على راسه، تنزلي كلمته الأرض؟ البيوت ليها حرمة يا بنتي، واللي عملتيه ده غلط، وغلط كبير كمان!
أختي سارة قربت مني وبصتلي بلوم ويأس
أنا مش مصدقة إنك بالسطحية دي يا نهى! مها إيه اللي تضيعي جوزك وبيتك عشانها؟ مها لو مكانك مكنتش هتبص في وشك أصلاً!
الكلام كان بيموتني، الندم كان بياكل في ضلوعي زي السوس، ودموعي مكنتش بتجف. دخلت أوضتي القديمة وأنا مڼهارة تماماً، حسيت إن ماليش طوق نجاة غير مها.. هي الوحيدة اللي تقدر تشهد بالحق وتنقذني.
مسكت الموبايل وطلبتها، أول ما ردت قولت بلهفة وشهقات مكتومة
مها.. إلحقيني يا مها، فهد عرف إني كلمت حسن وطردني وجابني بيت أهلي والكل قالب عليا.. أبوس إيدك يا مها، كلمي فهد، قوليلي إنك إنتِ اللي اترجيتيني، فهميه إنك كنتِ بټموتي وأنا كنت بحاول أصلح بينكم بس.. قوليلي إن مفيش بيني وبين جوزك حاجة!
سكتت مها ثانية، ثانية كاملة نزلت عليا زي الدهر، وسمعت صوتها طالع بارد، ناعم، وفيه نبرة خسة وجحود عمري ما تخيلت إنها تطلع من بني آدم
معلش يا نهى.. مقدرش أعمل كدة.
بردت في مكاني، ودموعي اتجمدت من الصدمة
تقصدي إيه بمقدرش؟ بقولك بيتي اتخرب!
ردت بمنتهى الأنانية والبرود حكايات نورهان العشري
يا نهى أفهميني، حسن رجعني البيت الصبح، وقولنا هنفتح صفحة جديدة، وهو حذرني وقالي. مخبيش عليه حاجة أبدًا. معلش يا حبيبتي، مقدرش أكلم فهد
متابعة القراءة