ثار الأب لانجى الخطيب
أخيرة عايز يوصلها، والمحامي بيضغط عشان ده يحصل.
نور كانت سامعة، بصت لي وعنيها مفيهاش أي تردد، سابت المفك من إيدها، ومسحت إيدها في الأفرول وقالت أنا موافقة يا بابا.
رحنا الزيارة، المكان كان كئيب وبارد، قعدنا ورا القزاز، وبعد دقايق دخل كريم، كان نسخة تانية من الراجل اللي عرفناه، شعره محلوق، ملامحه ذابلة، ونظرة عيونه اللي كانت مليانة غرور بقت منكسرة ومطفيّة. قعد ورا القزاز وبص لنور، فضل ساكت دقيقة كاملة، وبعدين قال بصوت مكسور كنت فاكر إن العالم كله مكنة كبيرة والفلوس هي الزيت اللي بيشغلها، كنت فاكر إني بشتري الكل.. حتى إنتي.
نور كانت باصة له بجمود، مافيش في عينيها غير الشفقة، كمل هو أنا مش جاي أطلب سماح، أنا جاي أقولك إن أبوكي كسب الرهان، أنا خسړت كل حاجة، والوحيد اللي لسه محتفظ بكرامته هو الراجل اللي كنت بستعر منه.
نور قامت وقفت، وما ردتش عليه بكلمة، بس قبل ما تلف ضهرها وتمشي، قالت جملة واحدة خلت كريم ينهار ورا القزاز إنت مكنتش بتصلح حاجة يا كريم، إنت كنت بتكسر كل اللي يلمسك عشان تداري على فراغك.. ومبروك عليك الفراغ اللي بتعيش فيه دلوقتي.
خرجنا من السچن، الهوا كان طلق، ونور أخدت نفس عميق وكأنها بتخرج آخر ذرة سم من قلبها، مشينا في الشارع، والناس اللي كانت پتخاف من اسم المنشاوي، بقوا بيسلموا علينا بكل احترام، مش عشان إحنا بقينا أغنياء، بس عشان عرفوا إن القوة الحقيقية مش في السيطرة، القوة في البقاء بوش نظيف وضمير مرتاح.
رجعت الورشة، لقيت نور دخلت وبدأت تكمل شغلها، مسكت العدة وبدأت أصلح جنبها، وفجأة نور ضحكت من قلبها، ضحكة صافية زللت كل غيوم الماضي، بصيت
لها وقلت الورشة نورت يا نور، ردت وهي بتغمزلي الورشة كانت دايما منورة يا بابا، بس إحنا اللي كنا محتاجين نصنفر صدى السنين عشان نشوف نورنا الحقيقي.
وعرفنا وقتها، إن الحكاية خلصت، مش بانتصار على أعداء، لكن بانتصارنا على الۏجع، وبأننا فضلنا إحنا.. إحنا.
.........
سنتين كمان عدوا، والورشة مبقتش مجرد ورشة تصليح مكن، نور بقت شريكتي في كل حاجة، وفتحت قسم جديد متخصص في صيانة أجهزة الحاسب والأنظمة التقنية، القسم ده اللي خلاها تعتمد على ذكائها اللي كان مدفون ورا قسۏة عيلة المنشاوي.
في ليلة صيف دافية، كنا قاعدين بنقفل الورشة، نور بصت للمكان بابتسامة رضا وقالت يا بابا، فاكر لما قولتلي إنك اتدربت ٢٣ سنة عشان تكون الراجل اللي أنقذني؟.
بصيت لها، وشفت في ملامحها نضج سنين، وشفت فيها صورة أمها الله يرحمها، قلت لها أنا اتدربت عشان أحميكي، بس الحقيقة يا نور، إنتي اللي علمتيني إزاي أعيش من غير خوف، إنتي اللي حولتي الورشة لمملكة صغيرة لينا.
نور سكتت لحظة، وطلعت من جيب الأفرول بتاعها كارت دعوة لفرح، كان كارت بسيط وشيك، مكتوب عليه اسم نور محمود واسم عريسها، شاب محترم مهندس كمبيوتر كان بيجي يصلح مكنته عندنا، حبها لشخصها، لشجاعتها، للي هي عليه مش لأي حاجة تانية.
نور مسكت إيدي وقالت المنشاوية كانوا بيشوفوا الناس ب الميزان، بيوزنوا الشخص بفلوسه ونفوذه، بس أنا عرفت إن الناس بتتوزن ب الأصل وبالسند، وأنا كان ليا أحسن سند في الدنيا.
دمعت عيني، خلى كل ذرة ۏجع في قلبي من السنين اللي فاتت تتلاشى، اليوم ده الورشة كانت بتتهيأ لحدث جديد، مش خناقة ولا محاكمة، ده فرح نور.
والغريب، إن واحنا ماشيين بالليل، عدت من قدامنا عربية فاخرة، بصيت
لها ببرود، مفيش جوايا أي حقد، ولا حتى ذكرى سوء، عرفت إن اللي بيخرج من معارك الحياة بكرامته وسلامه النفسي، هو اللي بيكسب فعلاً.
قفلت باب الورشة، وعلقت اليافطة الجديدة اللي كتبناها سوا ورشة محمود ونور.. هنا بنصلح المكن وبنحترم الناس.
القصة الحقيقية مكنتش عن الاڼتقام من المنشاوي، كانت عن أب رفض يشوف بنته مکسورة، وبنت رفضت تعيش في سجن من ذهب، واختاروا سوا يرجعوا للحياة، يشتغلوا بإيديهم، ويعيشوا بكرامة، في ورشة صغيرة، بس سقفها السما.. والبداية كانت ب يا بابا، تعال خدني، والنهاية كانت ب يا بابا، شكراً إنك خليتني أنا.
تمت
حكايات انجى الخطيب