من خمس سنين، مشيت وأنا مقتنع إني

موقع أيام نيوز


القصة كاملة، بكل مرارتها وتفاصيلها، منذ اللحظة التي انفصلا فيها، وكيف عاشت في أيامها الأولى، وهي تحمل الحمل، وتخفيه عن الجميع، وتعمل في وظائف بسيطة، ثم بعد الولادة، وكيف اضطرت للتنقل من مكان لآخر، وكيف رفضت طلبات المساعدة من الأهل، خوفاً من أن يصل الخبر إلى كريم، وكيف عملت ساعات طويلة، وضغطت على نفسها لتوفير الطعام والملبس والتعليم، وكيف مرت بأيام عديدة لم يكن معها فيها ما يكفي لشراء وجبة واحدة، لكنها لم تفكر يوماً في العودة إليه أو طلب شيء منه، لأنها كانت تريد أن تثبت أنها قادرة على تربيتهم بكرامة، حتى لو كان الثمن هو التعب والحرمان.
قالت له بصوت هادئ لكنه يحمل قوة لا تنكسر لم أخفِهم عنك بدافع الاڼتقام يا كريم، بل بدافع الخۏف واليقين، كنتِ رجلاً يضع عمله وثراءه فوق كل شيء، وكنتِ ترى الأطفال عبئاً وقيوداً تمنعك من التقدم، وكنتِ تقول لي دائماً إن الأبناء يأخذون من الوقت والمال والطاقة، ولا يعطون شيئاً في المقابل، فكيف كنت أتوقع منك أن تقبل بهم؟ وكيف أجعلهم ينمون في ظل أب يراهم عبئاً ثقيلاً؟ فضلت أن أكون الأم التي تضحي بكل شيء، على أن يكونوا أبناء لرجل لا يريدهم ولا يقدرهم.
استمع كريم إلى كل كلمة، وكل جملة كانت تضربه في ضميره، وتكشف له كم كان أنانياً في قراراته، وكم كان أعمى عن الحقائق الحقيقية في الحياة. لقد ظن لسنوات طويلة أن النجاح يقاس بالأبراج والشركات والأموال، لكنه الآن يرى أمامه ما هو أعظم من كل ذلك، أبناء يحملون دمه، ويعيشون في ظروف بسيطة جداً، بينما هو يملك كل شيء ولا يملك أغلى ما في الحياة.
مد يده بحذر نحو الطفلين، وقال بصوت ناعم لم يسمعه أحد منه من قبل أنا عمكم.. أو.. أنا.. أنا كريم. نظر إليه عمر وزياد، وابتسما ببراءة، ومدا يديهما الصغيرتين لېلمسا يده، وشعر كريم بدفء غريب يسري في جسده، شعور لم يشعر به طوال حياته، وكأن جزءاً مفقوداً منه قد عاد إليه أخيراً.
في تلك اللحظة، اتصل هاتفه، وكان المتصل مدير شركته، يخبره بصفقة ضخمة ستحقق له أرباحاً بمئات الملايين، ويسأله عن رأيه وموافقته. لكن كريم نظر إلى الهاتف، ثم نظر إلى الطفلين، وأغلق المكالمة دون رد، وقام بإيقاف تشغيل الجهاز تماماً، وقال في نفسه كل هذه الصفقات والملايين لا تساوي نظرة واحدة من هذين العينين، ولا دفعة واحدة من هذين القلبين.
الټفت إلى نيرمين وقال لها بجدية تامة ونبرة تحمل عزماً جديداً سأصحح كل شيء يا نيرمين، سأعوضكِ عن كل ما عانيتِه، وسأكون أباً حقيقياً لهما، وسأحميهما وأوفر لهما كل ما يحتاجانه، وسأفعل كل ما يلزم ليعيشا حياة كريمة، ليس فقط من باب الواجب، بل من باب الحب والانتماء، لأنني أدركت الآن أنني كنت أملك الدنيا كلها، لكنني كنت فقيراً جداً حتى لقيتكم.
نظرت إليه نيرمين بدهشة، لم تتوقع أن يكون رد فعله هكذا، بل كانت تتوقع الڠضب أو الرفض أو اللامبالاة، لكنها رأت في عينيه ندمًا حقيقياً ورغبة في التغيير، فقالت له بحذر الأمر ليس سهلاً يا كريم، خمس سنوات مضت، وكل شيء تغير، وهم تعودوا على حياتهم، ولا يمكن أن تتدخل فجأة وتغير كل شيء في لحظة.
أجابها بسرعة أعلم ذلك، وسأأخذ الأمر ببطء، وسأكسب ثقتكم خطوة بخطوة، وسأثبت لكِ أنني لست الرجل الذي كان قبل ست سنوات، لقد غيرتِ هذه اللحظة كل شيء في داخلي،
 

تم نسخ الرابط