من خمس سنين، مشيت وأنا مقتنع إني
كانت تزيد من ضربات قلبه، حتى وقف أمامها مباشرة، وقال بصوت خاڤت مرتعش لم يسمعه من نفسه من قبل نيرمين؟.
رفعت رأسها فجأة، وعندما التقت عيناها بعينيه، تجمدت في مكانها، وامتص الډم من وجهها، وارتجفت يدها التي تحمل النقود، وسقطت قطعة من الفكة على الأرض دون أن تشعر بها. مرت ست سنوات كاملة، لكنها لم تتوقع أن تلتقي به هنا، في هذا المكان البسيط، وفي هذه الحالة التي تظهر فيها كل معاناتها.
قالت بصوت يحاول أن يكون ثابتاً لكنه كان يرتجف كريم.. ماذا تفعل هنا؟.
لم يرد عليها، بل وجه نظره نحو الطفلين، ثم عاد إليها وسأل بنبرة تحمل دهشة وغضباً وقلقاً في آن واحد من هؤلاء؟ من أين جاءا؟ ولماذا يشبهانني بهذا الشكل؟.
نيرمين ضمت الطفلين إلى جانبها بحركة غريزية تحميهم، وقالت بسرعة لا شيء يخصك، أبناء أحد الأقارب، نمر بهم هنا فقط.
لكن كريم لم يصدق كلمة واحدة، كان يعرف وجهه وملامحه جيداً، ولا يمكن أن يخطئ في هذا التشابه المذهل، خاصة مع لون العينين وشكل الأنف، وهي صفات وراثية تظهر بوضوح في عائلته. وقال بصرامة وحزم لا تكذبي عليّ يا نيرمين، أنتِ تعرفين أنني لا أصدق هذا الكلام، وستخبرينني الحقيقة كاملة، وإلا لن أذهب من هنا حتى أفهم كل شيء.
في تلك اللحظة، انزلقت من حقيبتها الصغيرة الجلدية ورقة مطوية، سقطت على الأرض، واقترب كريم والتقطها قبل أن تمد يدها لتأخذها. كانت ورقة رسمية من المدرسة، تحمل اسمي الطفلين بوضوح عمر كريم الألفي، وزياد كريم الألفي، ومكتوب فيها تاريخ الميلاد، وبيانات كاملة تثبت نسبهما إليه دون أي شك.
عندما قرأ الاسم، شعر وكأن صاعقة قد أصابت رأسه، وبدأ كل شيء يتضح أمام عينيه، وكل تساؤلاته أصبحت لها إجابة واحدة هؤلاء هم أبناؤه، توأمان، وُلدا بعد الطلاق بفترة قصيرة، وعاشت نيرمين تربيهم وحدها كل هذه السنوات، وتواجه الحياة بكل صعوباتها، بينما هو كان يعيش في عالمه الخاص، يبني الثروة، ويظن أنه اختار الحياة دون مسؤولية أطفال، دون أن يعلم أن الحياة قد أعطته أغلى ما يمكن أن يملكه، وأخفته عنه بقرار من طليقته.
نظر إليها والورقة لا تزال في يده، وقال بصوت مكسور ومليء بالدهشة والڠضب إذن.. هؤلاء أبنائي؟ وأخفيتهم عني كل هذه السنوات؟ لماذا؟ لماذا فعلتِ بي هذا؟ لماذا تركتني أعيش في جهل تام، وهم يكبرون هنا بجانبي، وأنتِ تشقين لتربيتهم وحدك؟.
دموع بدأت تتجمع في عيني نيرمين، ولم تعد تستطيع إخفاء الحقيقة، فقالت بصوت مليء بالمرارة والقهر لأنك أنتِ الذي اخترت الطريق هذا يا كريم، لقد قلت لي بوضوح في يوم الطلاق أنا لا أريد أطفالاً، ولا أتحمل مسؤولية أحد، ولا أريد أن يربطني شيء بأي إنسان، سأعيش حياتي بحرية كاملة، وكل ما أملكه لي وحدي. وعندما عرفت بالحمل بعد شهرين من انفصالنا، لم أكن أعرف كيف أخبرك، وكنت متأكدة من رد فعلك، وكنت أخشى أن تضغط عليّ لأتخلى عنهم، أو ترفض الاعتراف بهم، أو تتركهم بلا أي اهتمام، فقررت أن أتحمل المسؤولية وحدي، وأعيش من أجلهم، مهما كانت الصعوبات.
الجزء الثالث
خرجوا من المخبز ووقفوا في زاوية هادئة بعيداً عن الزحام، والجو كان لا يزال حاراً لكنه بدا لهم أكثر هدوءاً ليستمع كل منهما للآخر. جلس كريم على حافة رصيف قديم، والورقة لا تزال في يده، وينظر إلى الطفلين اللذين كانا ينظران إليه بفضول وهدوء، وكل نظرة منهما تزيد من ندمه وذهوله.
بدأت نيرمين تروي له