من خمس سنين، مشيت وأنا مقتنع إني

موقع أيام نيوز

من خمس سنين، مشيت وأنا مقتنع إني مستحيل أعوز أطفال في حياتي.. لحد ما لقيت طليقتي واقفة بتعد الفكة والقرش الأبيض على كاونتر مخبز بسيط، وجنبها وادين صغيرين توأم نسخة طبق الأصل مني، وورقة مدرسة واحدة غيرت مسار حياتي وعمري كله للأبد!
كريم الألفي قضى معظم سنين شبابه وهو بيبني أبراج وشركات بتلمس السما؛ في القاهرة، الناس كانت بتعرف اسمه وتسمع عنه قبل ما تشوف وشه وتعرف ملامحه؛ شركته كانت بتشتري مناطق بحالها، وتقلبها أبراج زجاجية ومولات شيك، وتبيعها للمستثمرين قبل ما دهان الحيطة ينشف! كان ليه أسانسيرات خاصة، ومطاعم هادية بتفتح له مخصوص بعد المواعيد، ومساعدين بينظفوا جدول مواعيده ويظبطوه من قبل ما يطلب منهم أصلاً؛ قدام العالم والناس كلها، كريم كان باين كأنه الراجل اللي ملك الدنيا وكل حاجة فيها؛ بس في بعد ظهر يوم جمعة حر في حي مصر الجديدة، دخل مخبز بلدي صغير وبسيط، وفهم في اللحظة دي إن فيه حتة وعمر كامل من حياته مكنش بيبص عليه ولا يعرف عنه حاجة! هو مكنش ناوي يقف هناك أصلاً، كان نازل بس يشتري قهوة؛ السواق بتاعه تاه وغلط في دخلة شارع الميرغني، فكريم قرر ينزل ويمشي على رجليه بدل القعدة والخنقة في زحمة المرور؛ المخبز كانت ريحته مليانة زبدة، وقرفة، وعيش طالع لسة سخن ومقرمش من الفرن؛ من نوعية الأماكن البسيطة اللي كان بيعدي من جنبها علطول ومن غير ما ياخد باله منها؛ وفجأة، شافها قدامه! نيرمين المنشاوي.. طليقته! لثانية واحدة، اِفتكر إن عقله بيخيل ليه وبيسرح بيه؛ ست سنين كاملة عدت على طلاقهم، والست اللي واقفة جنب الكاونتر دي مكنتش شبه الست الشيك البراند اللي كانت بتمشي جنبه في حفلات رجال الأعمال وعزومات الأكابر؛ شعرها كان ملموم لورا بتوكة بسيطة، ولبسها هادي وعادي جداً، وجزمتها باين عليها التعب والهلاك من كتر المشي والوقفة طول اليوم؛ بس عيونها هي اللي خلت كريم نَفَسه يقف ويتحبس في صدره؛ عيونها كان باين عليها الإرهاق والتعب بطريقة مفيش فلوس في الدنيا تقدر تخبيها أو تداريها؛ وجنبها كان واقف وادين صغيرين؛ توأم متطابق، الاثنين شعرهم بني ناعم، وعيونهم واسعة وبتلمع بالذكاء والشقاوة، وشنط الحضانة متعلقة على كتافهم الصغيرة؛ واد منهم كان مبحلق في السينابون والمخبوزات اللي ورا الزجاج، والثاني كان ماسك كشكول كله رسومات صواريخ، وكواكب، ونجوم وفضاء!...
يا ترى كريم هيعمل إيه لما يواجه طليقته ويكتشف إن التوأم دول ولاده هو ومن صلبه، وإيه السر اللي نيرمين خبته عنه طول السنين دي وخلاها تشقى وتعد الفكة عشان تربيهم، وإيه اللي مكتوب في ورقة المدرسة وهيشقلب كيان كريم؟ اللي جاي مواجهة تكسر الدنيا ودموع وحقايق م تخطرش على بال!

الجزء الثاني
وقف كريم في مكانه كأن قدميه قد لصقتا بالأرض، وعقله توقف عن التفكير للحظات، وعيناه لم تستطيعا أن تبتعدا عن ذلك المشهد أمامه. كانت نيرمين تمد يدها ببطء، وتعد النقود الصغيرة والفكة المعدنية على حافة الكاونتر، وتقول بصوت هادئ يحمل رنة تعب لا تخفى عيشتين ساخنتين، وقطعة جبنة، واثنين بسكوت بالعسل، لو سمحت.
وجنبها الطفلان التوأم، لا يزيد عمرهما عن خمس سنوات، ينتظران بترقب، وملامحهما ټضرب في قلب كريم كالسکين البارد، لأنه رأى في وجهيهما ملامحه هو بالكامل، نفس شكل الجبهة، ونفس الحواجب المقوسة، ونفس لون العيون البنية العميقة، بل وحتى طريقة الوقوف كانت نسخة طبق الأصل منه في طفولته.
اقترب خطوة بخطوة، وكل خطوة
 

تم نسخ الرابط