حكاية الډم والذهب والرماد
الخبز الجاف؟. انحنى عاصم وأمسك بيدي نادين بقوة، وقال بنبرة ممتلئة بالصدق والدموع تسيل على خديه أقسم لكِ يا ابنتي، لم أكن أعلم. لو كنتُ أعلم لكنتُ أحرقتا الدنيا لأصل إليكن. أما عن يوسف، شقيقكِ، فقد أرسلتُ بالفعل طائرة إسعاف طبية مجهزة إلى بيتكِ قبل أن آتي إلى هنا بنصف ساعة، وهو الآن في طريقه إلى أكبر مستشفى جراحات قلب في العاصمة، وأفضل الأطباء في العالم ينتظرونه لإجراء العملية على نفقتي. لن ېموت يوسف، ولن تشقوا بعد اليوم.
في تلك اللحظة، تحركت الحشود وراء الزجاج الخارجي، وأصدرت أجهزة اللاسلكي الخاصة بالحراس أزيزاً حاداً. قال قائد الحرس لعاصم بنبرة قلقة يا فندم، رصدنا تحركات لسيارات تابعة لمنير الرشيدي على بعد كيلومترات من هنا، يبدو أنهم عرفوا بمكاننا وأن الحقيقة قد كُشفت. يجب أن نتحرك فوراً، المكان غير آمن. الټفت عاصم إلى نادين، ومد يده إليها قائلاً نادين، لقد انتهى زمن الاختباء في المنارة. حان الوقت لترتدي ثوب الأميرات الملطخ بدماء المظلومين، وتأتي معي لنسترد حق أمكِ ونواجه الأفاعي الذين حرمونا من بعضنا طوال هذه السنين. هل أنتِ مستعدة؟.
نظرت نادين حولها للمرة الأخيرة؛ إلى المطعم القديم، إلى أم جابر الواقفة بذهول، إلى الأطباق المکسورة، واليونيفورم الأزرق الذي شهد ذلها وقهرها. مسحت دموعها بكبرياء ظهر فجأة في عينيها، كبرياء ورثته من عاصم وفاطمة معاً. نزعت مريلة الطبخ الزرقاء والقيت بها على الأرض، ثم وضعت يدها الصغيرة في يد والدها القوية والثابتة. خرجا معاً من باب المطعم، يحيط بهما الحراس المدربون كدرع بشړي لا يمكن اختراقه. فُتح باب السيارة الكاديلاك السوداء الفخمة، ودلفت نادين إلى الداخل لتجلس على المقاعد الجلدية الناعمة بجوار والدها، بينما انطلقت السيارات الست في تشكيل عسكري مهيب، مخلفة وراءها غبار الطريق السريع وصدمة العمر في قلوب كل من شاهدوا تلك المعجزة. كانت السيارات تطير نحو العاصمة، نحو معركة شرسة من المال والنفوذ والاڼتقام، معركة بدأت بقطرة ډم غريبة، وانتهت بفتح أبواب الچحيم على عائلة الرشيدي.
الجزء الثاني شريان الٹأر وغسيل الأموال
لم تكن المقاعد الجلدية الوثيرة للسيارة الكاديلاك الفخمة كافية لتخفيف حدة القشعريرة التي سرت في جسد نادين. كانت تنظر عبر الزجاج الداكن إلى الطريق الصحراوي السريع الذي بدأ يتلاشى وراء الغبار الأسود الذي تثيره عجلات السيارات الست المتطابقة. بجوارها، كان عاصم الرشيدي يجلس صامتاً كتمثال من الرخام، يشبك أصابعه الطويلة فوق مقبض عصا أثرية من خشب الأبنوس لم تلاحظها نادين في البداية. كان ينظر إلى الفراغ بأعين تشع بنور قادح، كأنه يدير في عقله لوحة شطرنج معقدة خسر فيها جولات كثيرة، وجاء الوقت لينهي اللعبة بنقلة واحدة قاټلة.
تجاوز موكب السيارات البوابة الحديدية الضخمة للقصر الواقع في أطراف العاصمة؛ قصر يحيط به سور خرساني مرتفع تعلوه أسلاك شائكة وكاميرات مراقبة تتحرك بآلية مرعبة. لم يكن مكاناً للسكن، بل كان أشبه بقلعة عسكرية محصنة. ترجل عاصم وسارعت خلفه نادين التي كانت لا تزال ترتدي حذاءها المستهلك واليونيفورم الملطخ بالزيت، مما جعلها تبدو كغريبة سقطت من كوكب آخر داخل هذا البهو الرخامي الشاسع الذي تتوسطه ثريا كريستالية ضخمة.
قبل أن تنطق نادين بكلمة، تحرك طبيب يرتدي معطفاً أبيض ناصعاً من ردهة جانبية، وانحنى باحترام أمام عاصم قائلًا عاصم بك، شقيق الأنسة نادين، يوسف، وصل قبل عشر دقائق عبر المروحية الطبية. هو الآن في وحدة العناية المركزة الخاصة بالقصر، وتحت إشراف البروفيسور
دانيال الذي استدعيناه من لندن. حالته