حكاية الډم والذهب والرماد
شمسية تخفي أعينهم، وسماعات تلتف حول آذانهم. كانت هيبتهم وصمتهم المدروس يبثان الړعب والوجل في المكان الذي لم يعتد إلا على ملابس العمال الزيتية وضحكات السائقين المبتذلة. تحرك اثنان منهم بخطوات عسكرية ووقفا على جانبي باب المطعم الخشبي، بينما دخل رجل ثالث، يبدو أنه قائد الحرس، جال ببصره الحاد في أرجاء المكان، متفحصاً كل زاوية وكل وجه، حتى استقرت عيناه على نادين الواقفة بزيها الأزرق المتهالك.
تقدم نحوها بخطوات هادئة مسموعة، ووقف أمام الكاونتر، ثم انحنى بقليلاً وقال بنبرة مليئة بالاحترام والجدية الأنسة نادين؟. بلعت نادين ريقها بصعوبة، وشعرت بأن ركبتيها لم تعد قادرتين على حملها، وقالت بصوت مرتعش نعم... أنا. فيه حاجة؟. لم يجبها الرجل، بل تراجع خطوتين إلى الوراء، وفتح الطريق للباب الذي انفتح مجدداً ليدخل منه رجل طويل القامة، في أواخر الخمسينيات من عمره. كان يرتدي معطفاً طويلاً من الكشمير الأسود رغم حرارة الطقس النسبية، وبدت شعيرات الفضة التي تخللت شعره الأسود الكثيف وكأنها تزيد من وقاره وهيبته. كانت ملامحه صارمة، تحمل تجاعيد حفرتها معارك الحياة والسياسة والمال، لكن عينيه الصقريتين كانتا تشعان بنوع غريب من الامتنان العميق والعاطفة المكبوتة. وقف الرجل أمام نادين مباشرة، ونظر إلى وجهها طويلاً، وكأنه يرى فيه شبحاً من الماضي، ثم قال بصوت عميق ورخيم أنتِ الفتاة التي تبرعت پدمها في مستشفى الطوارئ قبل ثلاثة أسابيع.
تراجعت نادين خطوة إلى الوراء، ونظرت حولها لتجد أن جميع من في المطعم، بما فيهم صاحبة المكان الشرسة أم جابر، قد تجمدوا في أماكنهم كالتماثيل. نظرت إلى الأرض بإحراج وتلعثمت أنا... أنا عملت الواجب بس يا فندم. أي حد مكاني كان هيعمل كده لو فصيلة دمه مطابقة. هز الرجل رأسه ببطء، وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة ملأى بالحزن والشجن، وقال لا يا نادين... ليس أي شخص. أنتِ أنقذتِ حياتي، ولم تكوني تعلمين أن القدر كان يعيد إليكِ ما سُلب منكِ منذ سنوات طويلة. أشار بيده إلى قائد حرسه، الذي تقدم فوراً وناول الرجل ظرفاً جلدياً أسود كبيراً ومختوماً بالشمع الأحمر. أخذ الرجل الراقي الظرف، ومد يده به نحو نادين قائلاً خذي هذا. هذا ليس مكافأة، بل هو حقكِ المؤجل الذي شُربت من أجله دماء، وسُفكت بسببه أرواح.
تناولت نادين الظرف بأصابع ترتجف پعنف. فتحت الختم الشمعي بحذر، وسحبت ما بداخل الظرف. في البداية، خرجت صورة فوتوغرافية قديمة، ملونة بألوان السبعينيات الباهتة. كانت الصورة لوالدتها فاطمة في شبابهما، وكانت حاملًا في أشهرها الأخيرة، تبتسم بسعادة لم ترها نادين على وجهها قط، وكانت تقف بجوار رجل وسيم جداً، يرتدي بدلة رسمية، ملامحه تطابق تماماً ملامح الرجل الواقف أمامها الآن، لكن في سن أصغر. سقطت الدموع من عيني نادين على الصورة، واستمرت في سحب الأوراق لتجد وثائق قانونية رسمية تحمل أختام الدولة، وعقود ملكية، وإقرار بنبوة وتنازل عن ثروة، وفي نهاية الورقة الأخيرة، كان هناك رقم مكتوب بالحساب وباللغة العربية الفصحى، جعل عينيها تتسعان بذهول مطلق ونفسها ينقطع في صدرها ثمانية وأربعون مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى أصول عقارية وشركات.
نظرت نادين إلى الرجل بعينين تائهتين، وهمست بصوت يكاد يكون مسموعاً ما هذا؟ أنا لا أفهم شيئاً... من أنت؟ ومن هذا الرجل في الصورة مع أمي؟. اقترب الرجل خطوة أخرى، وانحنى بمستواها، وقال بنبرة ممتلئة بالمرارة والجدية الكلية أنا عاصم الرشيدي، الرجل الذي في الصورة هو أنا، وأنا والدكِ الشرعي يا
نادين. أمكِ لم