رواية جديدة
يذكر في أروقة الشركة بلهجة مختلفة. لم تعد الوافدة الجديدة ولا اختيار الرئيس الغريب بل صارت المرأة التي أوقفت مشروعا قبل أن يتحول إلى أزمة والتي أعادت توجيه استثمار ضخم نحو حي كان منسيا. لم تكن ترفع صوتها ولم تكن تتودد لكنها كانت تسأل الأسئلة الصحيحة في اللحظة التي يتجنب فيها الآخرون الكلام.
وفي صباح أحد الأيام وصلت رسالة داخلية عاجلة تدعو إلى اجتماع طارئ في قسم الإنتاج. كان هناك خلل خطېر في أحد الأجهزة الطبية الذكية التي تستعد الشركة لإطلاقها في السوق. الأرقام تقول إن نسبة الأعطال مقبولة لكن شكاوى المستشفيات بدأت تتراكم.
دخلت سيلينا قاعة الاجتماع وجلست تستمع. تحدث المهندسون عن تحديثات برمجية وعن احتمالات الاستخدام الخاطئ وعن بنود قانونية تحمي الشركة. وحين انتهوا نظرت إلى الجهاز المعروض أمامهم ثم رفعت رأسها ببطء.
هذا الجهاز يستخدم مع مرضى لا يملكون رفاهية الخطأ قالت بهدوء نسبة مقبولة تعني إنسانا حقيقيا يتألم الآن.
قال أحد المديرين بنفاد صبر
سحب المنتج سيكلفنا ملايين ويؤخر الإطلاق ستة أشهر.
أجابت دون تردد
وتأخير علاج مريض سيكلفه عمره كله.
ساد الصمت. نظر رايموندو إليها ثم إلى الفريق.
أوقفوا الإطلاق قال نعيد الاختبارات من الصفر.
خرج القرار إلى العلن وانهالت الانتقادات من الإعلام والمستثمرين. هبط السهم يومين متتاليين. لكن بعد شهر حين كشف عن الخلل بشفافية وأعلن عن النسخة الآمنة عاد السهم أقوى مما كان وارتفع معه اسم الشركة بوصفها الأكثر التزاما.
في ذلك المساء جلس رايموندو في مكتبه وحده. كان يحمل تقريرا عن سيلينا لا أرقام فيه بل شهادات من عمال وممرضين ومديرين صغار. أغلق الملف وتنفس بعمق. لأول مرة منذ سنوات شعر أن الشركة تشبه الإنسان.
رن هاتفه.
أبي كان صوت دانيال.
نعم يا بطل.
هل تعرف اليوم ساعدت طفلا في المركز. علمته كيف يحرك العجلات دون أن يؤذي يديه.
ابتسم رايموندو.
ومن علمك ذلك
سيلينا أجاب ببساطة قالت إن القوة الحقيقية هي أن تجعل الطريق أسهل لمن يأتي بعدك.
أغلق رايموندو الهاتف ونظر عبر النافذة إلى المدينة. لم يعد يراها كتروس تدور بلا رحمة بل كشبكة من القصص الصغيرة التي يمكن لمسها وتغييرها.
بعد أيام عاد المطر. ليس عاصفا كما في تلك الليلة الأولى بل هادئا منتظما. مرت سيلينا قرب المقهى القديم بعد انتهاء دوامها وتوقفت لحظة. كان المكان قد أعيد افتتاحه بواجهة جديدة ولافتة صغيرة كتب عليها الكرامة تقدم ساخنة.
ابتسمت وأكملت طريقها.
كانت تعرف الآن أن بابا واحدا لم يغلق في ليلة ممطرة قادر على تغيير مصائر كثيرة.