سقطت طالبة في ممر المدرسة... ولم يتحرك أحد سوى فراش عجوز!
المحتويات
بسيطة.
أو هكذا كنت أحاول أن أقنع نفسي.
لكنها لم تعد كما كانت.
في إحدى الصباحات وجدت ورقة صغيرة فوق طاولتي.
لم يكن عليها اسم.
ولا توقيع.
كانت تحتوي على جملة واحدة فقط
شكرًا لأنك انتبهت.
طيّتها بهدوء.
ووضعتها داخل الدرج.
في اليوم التالي وجدت ورقة أخرى.
مكتوب فيها
جدي أيضًا كان غير مرئي بالنسبة لكثير من الناس... واليوم اتصلت به.
هذه المرة جلست على الكرسي.
وبقيت أحدق في الورقة لبعض الوقت.
فكرت في والدي.
الرجل الذي أمضى عمره كله يعمل بيدين متشققتين من التعب.
ثم رحل دون أن يعرف معظم الناس كم فعل من أجلهم.
هناك أشخاص يحملون بيوتًا كاملة فوق أكتافهم.
ومع ذلك لا يظهرون في أي صورة.
وربما لهذا السبب تأثرت كثيرًا.
أما الورقة الثالثة فكانت مختلفة.
كان ملتصقًا بها نوع من الحلوى الصغيرة.
وكُتب فيها
عمو أبو علي... أعتذر لأنني كنت أناديك بالعصبي.
ابتسمت رغماً عني.
فهذا اللقب سمعته عشرات المرات.
احتفظت بهذه الورقة أيضًا.
ومع حلول شهر كانون الثاني كان الدرج قد امتلأ تقريبًا.
عاد مصطفى إلى المدرسة أكثر من مرة.
كان يقيم ورشات تدريبية للطلاب والمعلمين.
يعلمهم الأمور الأساسية التي يجب أن يعرفها أي شخص حتى لا يقف عاجزًا عندما يحتاجه أحد.
أما أنا فكنت أقف دائمًا في الخلف.
لكنني لم أعد مختبئًا كما كنت سابقًا.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أعيد ترتيب بعض الكراسي بعد انتهاء إحدى الورش، بقي مصطفى معي.
ثم قال
هذا الأمر يليق بك.
نظرت إليه باستغراب.
أي أمر؟
ابتسم.
وقال
أن يستمع الناس إليك.
ضحكت ضحكة قصيرة.
وقلت
في عمري هذا لم يعد يليق بي شيء تقريبًا.
هز رأسه معترضًا.
فقلت
هذه هي الحقيقة. ركبتي تصدر أصواتًا كلما صعدت الدرج، وظهري يشتكي باستمرار، وكل مرة أنحني فيها لألتقط شيئًا أحتاج إلى مفاوضات طويلة مع نفسي حتى أقف من جديد.
ضحك مصطفى.
ثم عاد إلى الجدية.
وقال
زهراء أخبرتني أنها تريد دراسة تخصص يساعد الناس.
تفاجأت.
زهراء؟
نعم. تقول إنها كانت تريد أن تمر في الحياة دون أن يلاحظها أحد. أما الآن فلم تعد تريد ذلك.
نظرت نحو الممر.
كانت زهراء تتحدث مع زميلتين قرب الخزائن.
لم تبدُ مختلفة كثيرًا.
ما زالت هادئة.
وما زالت تحمل حقيبة تبدو أثقل من اللازم.
لكن شيئًا ما تغير فيها.
كانت تقف بثقة أكبر.
وكأنها لم تعد تعتذر عن وجودها في المكان.
قلت
هذا يسعدني.
وكان ذلك صحيحًا أكثر مما استطعت التعبير عنه.
وفي إحدى الأمسيات، قبل العطلة الربيعية بقليل، حدث أمر لم أكن أتوقعه.
كنت أغلق نوافذ قاعة الحاسوب بعد انتهاء الدوام.
وفجأة سمعت أصواتًا في الممر.
لم تكن أصوات خوف.
ولا شجار.
بل ضحكات.
في البداية ظننت أن بعض الطلاب يفعلون شيئًا لا ينبغي لهم فعله.
فخرجت حاملاً مفاتيحي.
مستعدًا لأن أطلب منهم التوقف.
لكنني توقفت في مكاني.
خمسة طلاب كانوا يحيطون بعاملة النظافة التي تنظف السلالم كل مساء.
ولم يكونوا يسخرون منها.
بل كانوا يساعدونها.
أحدهم يحمل صندوقين.
وآخر يثبت الباب.
وطالبة تقول
انتبهي... هذا الصندوق ثقيل.
رفعت عاملة النظافة رأسها نحوي.
وكانت نظرتها تقول إنها هي أيضًا لا تفهم تمامًا ما الذي يحدث.
واصلت السير بهدوء.
ولم أقل شيئًا.
فهناك لحظات جميلة تنكسر إذا أشرنا إليها كثيرًا.
في تلك الليلة، عندما عدت إلى شقتي الصغيرة، لم أشغل التلفاز.
جلست في المطبخ.
كانت شقتي متواضعة.
طاولة صغيرة.
كرسيان.
صورة قديمة معلقة على الجدار.
ونبتة ما زالت تقاوم المۏت بعناد رغم قلة العناية.
أخرجت أول رسالة من جيبي.
شكرًا لأنك انتبهت.
قرأتها مرة أخرى.
ثم فتحت صندوقًا معدنيًا قديمًا فوق الخزانة.
كان يحتوي على أشياء لم ألمسها منذ سنوات طويلة.
شارة قديمة.
وصورة مطوية.
ومنديل.
ودفتر صغير يحمل أسماء تعود إلى حياة أخرى.
طوال سنوات
كثيرة كنت أعتقد أن التذكر أمر خطېر.
وأن فتح هذا الصندوق يعني إعادة كل الضجيج إلى رأسي من جديد.
لكنني في تلك الليلة لم أشعر بالألم وحده.
شعرت بالامتنان أيضًا.
لأن هذه اليدين المتعبتين اللتين حاولت إخفاءهما طوال تلك السنوات ما زالتا قادرتين على فعل شيء
متابعة القراءة