سقطت طالبة في ممر المدرسة... ولم يتحرك أحد سوى فراش عجوز!
المحتويات
زالت تبدو ضعيفة بعض الشيء، وكأن جسدها لم ينسَ بعد ما حدث له.
وعندما دخلت القاعة ابتسمت لي.
لم تكن ابتسامة كبيرة.
بل كانت أفضل من ذلك.
كانت ابتسامة إنسان سعيد لأنه ما زال حيًا.
بدأ مصطفى الحديث بهدوء.
شرح لهم أنه عند وقوع أي حالة طارئة يجب طلب المساعدة فورًا، وإبلاغ شخص بالغ، وعدم التجمع حول المصاپ، وعدم التصوير بالهواتف، وعدم إعاقة من يحاول تقديم المساعدة.
لم يكن يتحدث بقسۏة.
لكن الجميع فهم المقصود.
أما أنا فكنت واقفًا إلى جانب الستارة.
في مكاني المعتاد.
بعيدًا عن الأنظار.
وفجأة قال مصطفى
عمو أبو علي يريد أن يقول لكم شيئًا.
لم أكن أريد ذلك.
لكنني كنت هناك بالفعل.
والإنسان لا يهرب عندما تنظر إليه فتاة في السادسة عشرة وكأن الثقة به أمر طبيعي تمامًا.
تقدمت نحو منتصف القاعة.
كان الميكروفون مرتفعًا أكثر مما يجب.
خفضته قليلًا.
كانت يداي ترتجفان.
فأدخلتهما في جيبي المعطف الرمادي.
ثم قلت
لن أعطيكم محاضرة طويلة.
وأشرت نحو مصطفى.
هذا الرجل يعرف أكثر مني، وخطه أجمل من خطي بكثير.
ضحك بعض الطلاب.
وساعدني ذلك قليلًا.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قلت
يوم سقطت زهراء في الممر، كثير منكم تجمد في مكانه. لا أقول هذا حتى تشعروا بالذنب. الخۏف يشل الإنسان. وقد شلني أنا أيضًا في أوقات كثيرة من حياتي.
ساد الصمت في القاعة.
ثم أضفت
لكن هناك شيء أسوأ من الخۏف.
نظرت إلى الطلاب في الصفوف الأخيرة.
وقلت
أن يعتاد الإنسان ألا يرى.
لم يتحرك أحد.
ولم يصدر أي صوت.
تابعت
في هذه المدرسة أشخاص ينظفون الممرات، ويصلحون الأعطال، ويفتحون الأبواب، ويوزعون الطعام، ويرتبون الصفوف، ويجمعون ما يتركه الآخرون خلفهم. أشخاص تقول لهم صباح الخير أحيانًا... وأحيانًا تمر بجانبهم وكأنهم غير موجودين.
لاحظت أن بعض الرؤوس انخفضت
نحو الأرض.
فقلت
لا أقول هذا من أجلي. في عمري هذا تعلم الإنسان أن يتعايش مع أشياء كثيرة. أقول ذلك من أجلكم أنتم.
ابتلعت ريقي.
وأكملت
لأنكم إذا قضيتم حياتكم تنظرون فقط إلى من يبدو مهمًا، فسوف تفوتكم معرفة الكثير من الناس الطيبين.
لا أعرف كم استغرق كلامي.
ربما خمس دقائق.
وربما أقل.
لكنها بدت لي ساعة كاملة.
وعندما انتهيت لم يصفق أحد في البداية.
وللحظة واحدة ظننت أنني أطلت الحديث أكثر مما ينبغي.
ثم وقفت زهراء.
وصفقت وحدها.
بعدها وقف طالب آخر.
ثم ثالث.
ثم بدأت القاعة كلها تصفق.
خفضت رأسي.
ليس لأنني شعرت أنني بطل.
بل لأنني تذكرت كل السنوات التي كنت أتمنى خلالها أن أكون غير مرئي.
وأدركت للمرة الأولى أن الاختفاء ليس هو السلام دائمًا.
بعد انتهاء المحاضرة بدأ شيء صغير يتغير داخل المدرسة.
لم يكن التغيير كاملًا.
فلا شيء بشړي يكون كاملًا.
ما زالت الأوراق تُرمى على الأرض.
وما زالت بعض قطع العلكة تلتصق بالأماكن التي لا يجب أن تلتصق بها.
وما زال بعض الطلاب يركضون في الممرات وكأن الحياة كلها تطاردهم.
لكن شيئًا ما تغير فعلًا.
اقترحت مجموعة من الطلاب تعليق لوحات توعوية في أنحاء المدرسة.
لم تكن لوحات جميلة أو احترافية.
بل كانت بسيطة جدًا.
حروف كبيرة مكتوبة يدويًا.
لكنها كانت صادقة.
إحدى اللوحات كُتب عليها
لا تصور... ساعد.
وأخرى
اترك مساحة للمصاپ.
وثالثة
أبلغ شخصًا بالغًا.
ورابعة
اسأل هل أنت بخير؟
قمنا بتعليقها قرب الخزائن، وفي الساحة، وبجوار غرفة الإسعافات الأولية.
وكانت زهراء تساعد في تثبيت أول لوحة.
وقفت تنظر إليها طويلًا.
ثم قالت بصوت منخفض
أشعر بالإحراج.
سألتها
لماذا؟
قالت
لأن كل هذا بسببي.
هززت رأسي نافيًا.
وقلت
لا. كل هذا بفضلك.
نظرت إليّ باستغراب.
أنا فقط سقطت على الأرض.
قلت
ومع ذلك علمتِ الجميع درسًا لن ينسوه.
لم تجب.
لكن عينيها امتلأتا بشيء يشبه الدموع.
وهناك دموع لا تحتاج إلى أن تسقط حتى تقول كل ما تريد قوله.
مرت الأسابيع.
وجاء الشتاء إلى بغداد.
وأصبحت الصباحات أبرد من المعتاد.
كنت أفتح الباب الرئيسي كل يوم قبل شروق الشمس بقليل.
وكانت المدرسة تفوح منها رائحة أجهزة التدفئة القديمة والأرضيات المبللة وسندويشات الطلاب الملفوفة بورق الألمنيوم.
وكانت حياتي ما تزال
متابعة القراءة