سقطت طالبة في ممر المدرسة... ولم يتحرك أحد سوى فراش عجوز!
ظننتُ أن كل شيء سيعود كما كان بعد أن أنقذت زهراء.
لكنني كنت مخطئًا.
أحيانًا لا تتغير الحياة عندما يقع الحدث الكبير.
بل تتغير بعده.
في الممرات.
وفي لحظات الصمت.
وفي الطريقة التي يبدأ الناس بالنظر إليك بها عندما يدركون أخيرًا أنك كنت موجودًا أمامهم طوال الوقت.
خلال الأيام التالية، أصبحت المدرسة مختلفة.
ليست سيئة.
بل مختلفة.
كان الطلاب يخفضون أصواتهم عندما يمرون بقربي. وبعضهم صار يلقي التحية بحماس مبالغ فيه، وكأنهم لا يعرفون تمامًا كيف يتعاملون مع فراش مدرسة عجوز لم يعد يبدو مجرد فراش مدرسة عادي.
في إحدى الصباحات، لمستني معلمة الرياضيات من ذراعي وقالت
ما فعلته كان رائعًا يا أبو علي.
هززت رأسي فقط.
ولم أعرف ماذا أقول.
فأنا لم أكن يومًا بارعًا في تلقي المديح.
حين يقضي الإنسان سنوات طويلة يعمل دون أن يسأله أحد كيف حاله، يتعلم أن يختبئ حتى عندما يصفق له الناس.
وفي الأسبوع نفسه استدعاني مدير المدرسة إلى مكتبه.
ظننت أن الأمر يتعلق بالدلو الذي انقلب في الممر، أو بالماء الذي انتشر فوق الأرض، أو بإحدى النوافذ المعطلة التي كنت أؤجل إصلاحها منذ أيام.
لكن الأمر لم يكن كذلك.
طلب مني أن أجلس.
وهذا وحده جعلني أشعر بعدم الارتياح.
فنحن، معشر الفراشين، لا نجلس عادة داخل مكاتب المديرين.
ندخل.
نسلم مفاتيح.
نبلغ عن أمر ما.
ثم نخرج.
قال المدير بصوت جاد
أبو علي، نريد أن نعتمد عليك في تنظيم خطة طوارئ داخل المدرسة.
نظرت إلى المكتب أمامه.
كانت هناك ملفات وأوراق وكوب شاي بارد منذ وقت طويل.
قلت
أنا لست طبيبًا.
قال
صحيح. لكنك كنت الشخص الوحيد الذي عرف كيف يتصرف عندما تجمد الجميع في أماكنهم.
أسكتني ذلك.
لأنه كان صحيحًا.
ولأنني لم أكن أريد أن يكون صحيحًا.
لم أكن أريد العودة إلى ذلك الرجل الذي كان عليه أن يتحرك بينما يرتجف الآخرون.
لقد اخترت هذه الوظيفة البسيطة لسبب.
الأبواب.
المصابيح.
الساحات.
المفاتيح.
أشياء بسيطة.
أشياء لا توقظ الذكريات في منتصف الليل.
أشياء لا تجعل الصړاخ يعود إلى رأسي.
قلت أخيرًا
أستطيع المساعدة في الأمور الأساسية. أما الجانب الطبي فيجب أن يكون مسؤولية مصطفى.
هز المدير رأسه بسرعة.
بالتأكيد.
نهضت من مكاني.
وكانت يدي قد وصلت إلى مقبض الباب عندما قال
أبو علي... نريد أيضًا أن يعرف الطلاب من تكون حقًا.
استدرت نحوه ببطء.
وقلت
أنا فراش المدرسة.
خفض عينيه للحظة وكأن الجملة أثقلت قلبه.
ثم قال
نعم... وكان يجب أن يكون ذلك كافيًا.
لم أجب.
لأن بعض الحقائق تؤلم عندما نقترب منها أكثر من اللازم.
كان أول اجتماع عصر يوم ثلاثاء.
وصل مصطفى وهو يحمل ملفًا وقنينة ماء وتلك الطاقة الهادئة التي يمتلكها الشباب الذين ما زالوا يعتقدون أن كل شيء يمكن ترتيبه بخطة جيدة.
أعجبني ذلك فيه.
وربما شعرت بشيء من الغيرة أيضًا.
جلسنا في غرفة المعلمين الصغيرة.
كانت الكراسي مختلفة الألوان، والطاولة غير مستقرة، والمدفأة القديمة تصدر أصواتًا وكأنها تتذمر من الحياة كلها.
قال مصطفى
نريد أن نعلمهم كيف يتصرفون... لكن من دون أن نخيفهم.
قلت
إذن لا تبدأ بالحديث عن الطوارئ.
نظر إليّ باستغراب.
وماذا أقول لهم إذن؟
قلت
علّمهم أن ينظروا.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ينظروا؟
نعم. ينظروا حقًا. أغلب من كان في الممر يومها لم يرَ أن زهراء كانت تختنق. رأوا فتاة على الأرض وخافوا. لكنهم لم ينظروا فعلًا.
دوّن شيئًا في أوراقه.
ولا أعرف إن كان ما قلته مهمًا.
لكنني شعرت لأول مرة منذ زمن طويل أن أحدًا يصغي.
وخلال المحاضرة امتلأت قاعة النشاطات بالطلاب.
بعضهم حضر لأنه أُجبر على ذلك.
ويمكن ملاحظة هذا بسهولة.
فالمراهقون يمتلكون قدرة غريبة على الحضور بأجسادهم فقط، بينما تكون عقولهم في مكان آخر.
ينظرون إلى السقف.
أو إلى الهاتف المخفي تحت الطاولة.
أو إلى مقدمة الحذاء.
أو إلى صديق يجلس في الطرف الآخر من القاعة.
لكن زهراء كانت في الصف الأول.
كانت ترتدي سترة فاتحة اللون، وقد جمعت شعرها إلى الخلف.
وما