رواية جديدة

موقع أيام نيوز

خبيت موضوع سعاد والفني لأني كنت فاكر إنك هتلوميني... كنت حاسس بالذنب من أول لحظة، لكن عمري ما كنت هخبي الحقيقة لو كنت أعرف إن ليها علاقة باللي حصل.
لم أجب.
كنت ما زلت أحاول جمع كل القطع المتناثرة.
وفي مساء اليوم نفسه، رن هاتف المديرة.
كان المتصل هو الطبيب الذي راجع جميع التقارير مرة أخرى.
قال لها
ظهر عندنا تفصيل مهم جدًا... ولو تأكد، هيغير فهمنا لكل اللي حصل في ذلك اليوم.
تغير وجه المديرة، ثم نظرت إليّ وقالت
لازم تيجي المستشفى بكرة الصبح... فيه معلومة جديدة، ويمكن تكون هي آخر قطعة ناقصة في اللغز في صباح اليوم التالي، ذهبت أنا وكريم إلى المستشفى.
استقبلنا الطبيب في مكتبه، ووضع أمامه ملف ليان.
قال بهدوء
راجعنا كل التقارير الطبية مرة أخرى، واستشرنا طبيبًا متخصصًا في حساسية الأطفال.
ثم فتح الملف وأشار إلى إحدى الصفحات.
اتضح أن ليان كانت تعاني من نوع نادر من الحساسية، وقد لا تظهر أي أعراض قبل التعرض للمادة المسببة لأول مرة.
سألته بصوت مبحوح يعني... اللي حصل كان ممكن يحصل فجأة؟
أومأ برأسه.
للأسف نعم. ولا يوجد ما يدل على أن أحدًا تعمد إيذاءها. كل ما لدينا يشير إلى أنها تعرضت لمادة سببت لها تفاعلًا حادًا وسريعًا.
شعرت أن دموعي تنهمر من جديد.
كل الأيام الماضية كنت أبحث عن شخص أحمّله المسؤولية.
لكن الحقيقة كانت أكثر قسۏة...
خرجنا من المستشفى في صمت.
وفي طريق العودة، توقف كريم أمام الحضانة.
قال لي في حاجة عايز أوريهالك.
دخلنا إلى الفصل الذي كانت تجلس فيه ليان.
كل شيء كان كما هو.
كرسيها الصغير... ورسوماتها المعلقة على الحائط... واسمها المكتوب بخط ملون.
اقتربت أستاذة منى وسلمتني صندوقًا صغيرًا.
قالت ده كان في درج ليان... احتفظنا بيه لحد ما تقدري تستلميه.
فتحته بيدين مرتجفتين.
وجدت بداخله رسوماتها، وبعض الملصقات، وسوارًا صنعته من الخرز.
وفي أسفل الصندوق كانت هناك ورقة مطوية.
ابتسمت أستاذة منى وسط دموعها وقالت كتبنا لكل طفل يكتب أو يرسم حاجة بيحبها.
فتحت الورقة.
كانت مجرد خطوط غير منتظمة ورسمة لشمس وبيت وثلاثة أشخاص يمسكون أيدي بعض.
وفوقهم كتبت المعلمة ما قالته ليان وهي ترسم
أنا بحب ماما وبابا... ولما أكبر هبقى أبلة زي أبلة منى.
لم أتمالك نفسي.
احتضنت الورقة وبكيت طويلًا.
أما كريم، فجلس على المقعد الصغير الذي كانت تجلس عليه ليان، وأجهش بالبكاء لأول مرة منذ ۏفاتها.
وفي تلك اللحظة، أدركنا أن البحث عن إجابات لن يعيدها، لكن ذكراها ستبقى معنا في كل يوم، وأن أفضل ما يمكن أن نقدمه لها هو أن تبقى محبتها وأثرها الجميل حيَّين في قلوبنا مرت الشهور ببطء، لكن ۏجع فراق ليان لم يفارقنا يومًا.
بعد انتهاء التحقيقات الرسمية، أكدت التقارير الطبية والإدارية أن ۏفاة ليان كانت نتيجة حالة صحية مفاجئة، ولم يثبت وجود أي تعمد أو إهمال جنائي. ومع ذلك، قررت إدارة الحضانة تطوير إجراءات السلامة، فوضعت بطاقات واضحة للحساسيات الطبية، ومنعت تشابه حقائب الأطفال، وألزمت جميع العاملين بدورات إسعافات أولية متقدمة.
أما كريم، فلم يسامح نفسه بسهولة، رغم أن الجميع أكدوا أنه لم يرتكب خطأً متعمدًا. ظل يزور قبر ليان كل أسبوع، ويحمل معها لعبتها الصغيرة المفضلة ويجلس صامتًا يقرأ لها ما تيسر من القرآن.
وأنا... تعلمت أن الحزن لا يختفي، لكنه يتحول مع الوقت إلى ذكرى مليئة بالحب.
وفي الذكرى الأولى لرحيل ليان، زرعنا شجرة صغيرة في حديقة قريبة، وكتبنا على لوحة خشبية بجوارها
هنا تعيش ذكرى ليان... الطفلة التي علمتنا أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بالأثر الذي يتركه الإنسان في قلوب من أحبوه.
كبرت الشجرة عامًا بعد عام، وصار الأطفال
يلعبون حولها ويستظلون بظلها، دون أن يعرفوا قصة الطفلة التي كانت سببًا في وجودها.
كلما رأيتها، كنت أبتسم رغم دموعي، وأهمس
نمِي بسلام يا ليان... ستبقين ابنتنا، وأجمل هدية منحها الله لنا، حتى نلتقي بإذن الله.
تمت.

تم نسخ الرابط