جوزي الغني خد الشقة والعربية وكل قرش
من أول وجديد.
يمكن يكون فاهم غلط.
يمكن يكون فيه تشابه أسماء.
يمكن تكون النتيجة متبدلة.
أي احتمال إلا الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت واضحة بشكل مؤلم.
الطفل اللي كان مستني ييجي الدنيا.
واللي خسر عشانه بيته وأسرته وكرامته...
مش ابنه.
رن هاتفه للمرة العاشرة.
سارة.
رفض المكالمة.
بعدها وصلت رسالة
كريم... رد عليا ضروري.
قفل الموبايل كله.
وسند رأسه على الكرسي.
وفجأة بدأت ذكريات سنين كاملة ترجع قدامه.
أول يوم شاف فيه مريم.
يوم كان مجرد موظف بسيط بيحلم يعمل مشروع صغير.
فاكر لما باعت دهبها عشان تساعده.
فاكر لما قعدت شهور تدير الحسابات بنفسها عشان يوفر مرتب محاسب.
فاكر ليالي طويلة كانت بتسهر معاه وهو بيخطط لمستقبله.
كل ده رجع مرة واحدة.
ولأول مرة حس إنه كان أعمى.
في نفس الوقت...
كانت مريم بتجهز آخر إجراءات السفر.
الشقة المؤقتة مليانة كراتين.
ليان كانت بتحط ألعابها في شنطة صغيرة.
وقالت بحماس
ماما... هناك فيه تلج؟
ضحكت مريم.
أيوة.
كتير؟
كتير جدًا.
البنت قفزت من الفرحة.
أما آدم فكان قاعد قدام اللابتوب بيتفرج على صور المدرسة الجديدة.
وقال
المكان شكله جميل.
هيعجبك أكتر لما تشوفه بنفسك.
سكت شوية.
ثم قال
ماما؟
نعم؟
إنتِ عمرك ندمتي إنك اتجوزتي بابا؟
السؤال فاجأها.
لكنها جاوبت بسرعة.
لا.
استغرب.
ليه؟
ابتسمت بحزن.
لأن من الجواز ده جه أهم شخصين في حياتي.
وأشارت له ولأخته.
فسكت آدم.
وحس لأول مرة إن أمه أقوى بكتير مما كان متخيل.
في اليوم التالي...
وصل كريم الفيلا.
كان عايز يواجه سارة.
دخل بسرعة.
فلقاها قاعدة في الصالون.
أول ما شافته ابتسمت.
لكن الابتسامة اختفت فورًا لما شافت ملامحه.
قال وهو يرمي التحليل قدامها
ده إيه؟
بصت للورقة.
وشحب وجهها.
كريم...
جاوبي.
أنا أقدر أشرح.
تشرحي إيه؟
صوته كان عالي لأول مرة.
تشرحي إن الطفل مش ابني؟
بدأت دموعها تنزل.
لكن كريم ما بقاش يتأثر.
لأنه افتكر دموع مريم اللي تجاهلها سنين.
سارة حاولت تقرب.
لكنه رجع خطوة.
مين الأب؟
سكتت.
مين؟
وبعد لحظات طويلة قالت اسم رجل كان بيشتغل معاها قبل فترة.
في اللحظة دي انتهى كل شيء.
خرج كريم من الفيلا.
من غير صړيخ.
من غير خناقة.
من غير حتى ما يبص وراه.
لأن بعض الصدمات أكبر من الكلام.
بعد أسبوعين...
بدأت التحقيقات تكبر.
كل يوم ملف جديد.
كل يوم استدعاء جديد.
الصحافة الاقتصادية بدأت تتكلم.
شركاء انسحبوا.
مستثمرون جمدوا اتفاقات.
والشركة اللي كان كريم فاكر إنها لا يمكن تقع...
بدأت تتأرجح.
المشكلة إن أغلب الناس اللي حواليه اختفوا.
أصحاب المصالح.
المنافقين.
اللي كانوا بيجروا وراه.
كلهم تبخروا.
وما بقاش فاضل غير الحقيقة.
وحيد.
لأول مرة من سنين.
في مساء هادئ...
دخل كريم بيت أبوه.
الحاج فؤاد كان قاعد بيشرب الشاي.
رفع عينيه وقال
اتفضل.
جلس كريم قدامه.
ثواني طويلة من الصمت مرت.
ثم قال
إنت اللي بلغت؟
فؤاد بصله مباشرة.
أيوة.
الكلمة نزلت كالصاعقة.
ليه؟
لأنك بقيت شخص ما أعرفوش.
أنا ابنك.
وابني عمره ما كان ظالم.
سكت كريم.
أما أبوه فأكمل
مريم استحملت سنين.
...
وأولادك كانوا محتاجين أب.
...
وإنت كنت مشغول بنفسك.
خفض كريم رأسه.
لأنه لأول مرة ما عندوش رد.
قال بصوت منخفض
كنت فاكر إني صح.
رد فؤاد
الإنسان ساعات بيضيع وهو فاكر إنه صح.
قبل السفر بثلاثة أيام...
وصلت رسالة لمريم.
رقم غير مسجل.
فتحتها.
وكان فيها
ممكن أشوف الأولاد مرة أخيرة؟
عرفت فورًا إنه كريم.
جلست دقائق طويلة تفكر.
ثم ردت
تعالى بكرة الساعة خمسة.
في اليوم التالي...
وصل كريم.
كان شكله مختلف.
أنحف.
أهدى.
وأكبر سنًا كأنه كبر عشر سنين في أسابيع.
فتح آدم الباب.
وقف الثنائي ينظران لبعض.
ثم قال كريم
إزيك يا بطل؟
آدم هز رأسه.
أما ليان فجريت نحوه فورًا.
ورمت نفسها في حضنه.
فبكى.
لأول مرة قدام أولاده.
بكى بصمت.
كأن كل شيء كان محبوسًا جواه.
جلسوا ساعات.
اتكلموا.
ضحكوا.
افتكروا ذكريات قديمة.
وفي النهاية وقف كريم.
ونظر لمريم.
كانت أول مرة يقفان وحدهما منذ الطلاق.
قال بصوت خاڤت
أنا آسف.
سكتت.
فأكمل
عارف إن كلمة آسف متأخرة.
...
وعارف إنها مش هتصلح حاجة.
...
بس كان لازم أقولها.
نظرت له للحظات.
ثم قالت
أنا سامحتك من زمان.
رفع رأسه مصدومًا.
سامحتيني؟