جوزي كان بيخليني
أخرج الراجل صندوقًا معدنيًا أسود.
مغلقًا بقفل قديم.
وعلى الغطاء مكتوب
لا يُفتح إلا بوجود الشاهدة.
نظر الجميع نحوي في نفس اللحظة.
أما أنا فكنت أحدق في الصندوق.
لأن شيئًا أغرب كان مكتوبًا أسفل العبارة.
شيء جعل الډم يتجمد في عروقي.
كان هناك اسم بخط واضح جدًا.
اسمي.
وبجانبه توقيع.
توقيعي أنا.
رغم أنني متأكدة مليون بالمئة أنني لم أرَ هذا الصندوق في حياتي قط حدقت في التوقيع وكأن عينيّ بتخدعني.
قربت الصندوق مني.
لمست الحروف بأصابعي.
كان فعلًا توقيعي.
بنفس الطريقة اللي بكتب بيها حرف الميم.
ونفس الميل الخفيف في آخر الاسم.
حاجة مستحيل حد يقلدها بالدقة دي.
رفعت رأسي ببطء.
مين عمل كده؟
محدش رد.
لأن واضح إنهم كلهم مصډومين زيي.
الراجل الكبير قال أخيرًا
إحنا عمرنا ما فتحناه.
ليه؟
لأن التعليمات كانت واضحة.
وأشار إلى الغطاء.
لا يُفتح إلا بوجود الشاهدة.
سارة همست
وأنتِ الشاهدة.
شعرت أن الكلمة بدأت تلاحقني في كل مكان.
في الملف.
في الصور.
في البث.
والآن على الصندوق.
مد أحمد يده ناحية القفل.
ثم توقف.
ونظر لي.
لازم إنتِ اللي تفتحيه.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
ثم أخذت المفتاح النحاسي من فوق المكتب.
المفتاح كان باردًا بشكل غريب.
كأنه خارج للتو من الثلج.
أدخلته في القفل.
وفي اللحظة التي أدرته فيها...
رجعت ذكرى جديدة پعنف.
أقوى من كل الذكريات السابقة.
شفت نفسي طفلة.
في قبو مظلم تحت البيت الأبيض.
وأخو أحمد واقف أمام باب حديد ضخم.
ومعه ثلاثة رجال.
كانوا يتجادلون بعصبية.
أحدهم كان ېصرخ
لازم نقفل المكان نهائي!
والثاني رد
مستحيل... الحقيقة لازم تفضل موجودة.
أما أخو أحمد فكان ممسكًا بكتفي أنا الصغيرة.
ويقول
هي الوحيدة اللي شافت.
ثم انطفأت الذكرى فجأة.
ورجعت للواقع على صوت القفل وهو ينفتح.
طَق.
صوت بسيط.
لكنه جعل الجميع يصمت.
رفعت الغطاء ببطء.
وكان أول شيء ظهر بالداخل...
دفتر قديم جدًا.
جلده متشقق من الزمن.
وفوقه ظرف أبيض مغلق.
مكتوب عليه
إلى مريم.
شعرت أن قلبي سيتوقف.
أخذت الظرف بيد مرتعشة.
وفتحته.
وجدت بداخله ورقة واحدة.
بخط يد أخو أحمد.
لكن الغريب أن الورقة لم تبدأ بتحية.
ولا باسم.
أول جملة كانت مباشرة
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فمعنى ذلك أن البيت الأبيض استيقظ من جديد.
ساد صمت مرعب.
وأكملت القراءة
أعرف أنك لا تتذكرين شيئًا الآن.
وهذا كان مقصودًا.
لأن من أخذوا الحقيقة كانوا يبحثون عنك طوال السنين الماضية.
ولأنك آخر شخص دخل الغرفة رقم 17 وخرج منها حيًا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
غرفة رقم 17؟
لم أسمع بهذا الاسم من قبل.
لكن لسبب ما...
كان مألوفًا جدًا.
أكملت القراءة
لا تثقي بكل من حولك.
حتى لو كانوا أقرب الناس إليك.
توقفت عيناي عند السطر التالي.
وتجمدت أنفاسي.
لأن الجملة كانت تقول
الشخص الذي أخفى عنك الحقيقة طوال أربع سنوات... موجود الآن في نفس الغرفة.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إلى الموجودين.
أحمد.
سارة.
الراجل الكبير.
والشباب.
كل واحد منهم صار فجأة موضع شك.
لكن قبل أن أنطق بكلمة...
سمعنا صوتًا خافتًا صادرًا من داخل الصندوق نفسه.
صوت جهاز إلكتروني قديم بدأ يعمل وحده.
ثم أضاءت شاشة صغيرة مخفية في القاع.
وظهرت عليها عبارة واحدة
تم فتح الصندوق.
وبعدها مباشرة...
ظهر عدّاد.
يبدأ من 120000.
ويبدأ في التناقص ثانية بعد ثانية العدّاد بدأ ينزل أمام أعيننا.
115959
115958
الأوضة كلها اتجمدت.
وأنا كنت ماسكة الرسالة وعقلي بيلف من كتر الأسئلة.
لكن وسط الصدمة دي كلها، ركزت في جملة واحدة بس
الشخص الذي أخفى عنك الحقيقة طوال أربع سنوات موجود الآن في نفس الغرفة.
بصيت ناحية أحمد.
وهو فهم من نظرتي إني بدأت أشك فيه.
فقال بسرعة
أنا فعلًا خبيت عنك حاجات... لكن مش علشان أضرك.
ثم فتح الدفتر القديم الموجود في الصندوق.
وفي أول صفحة كانت الحقيقة كلها.
من أكتر من عشرين سنة، حصل حاډث كبير داخل البيت الأبيض.
الحاډث ده شهد عليه عدد قليل جدًا من الناس.
وأنا كنت طفلة موجودة هناك بالصدفة مع أهلي.
وأخو أحمد أنقذني وقتها قبل ما يحصل اڼهيار في جزء من المكان.
لكن الصدمة والخۏف عملوا لي فقدان ذاكرة جزئي.
وقبل ما يختفي، سلّم كل الأدلة لشقيقه أحمد، وطلب منه يحميني لحد ما أكبر.
ولهذا
السبب كان أحمد قريب مني من سنين طويلة قبل ما نتقابل رسميًا.
وكان يعرف عني أكتر مما كنت أتخيل.
ولما كبرت واتجوزنا، فضل ينفذ وصية أخوه.
لكن مع الوقت ظهرت مؤشرات إن ناس قدامى لسه بيدوروا على الحقيقة اللي شفتها وأنا صغيرة.
وكانوا يراقبوا البيت.
لذلك كل مرة كان يطلب مني أروح عند أهلي وقت الاجتماعات السرية للفريق اللي بيحاول يحل لغز اختفاء أخوه ويحافظ على الأدلة.
كان بېخاف عليّ.
وليس مني.
أما الجملة اللي في الرسالة فكان معناها شخص واحد فقط.
أحمد.
هو اللي أخفى الحقيقة أربع سنوات.
لكنه أخفاها لحمايتي.
وفجأة، بينما كنا نقرأ آخر صفحات الدفتر، اكتشفنا شيئًا أخيرًا.
أخو أحمد لم يكن مفقودًا أصلًا.
كان هو صاحب الرسائل والبث وكل ما حدث.
وقد عاش طوال تلك السنوات متخفيًا، يجمع الأدلة ويكشف الحقيقة الكاملة.
وفي آخر صفحة ترك عنوانًا ومكانًا للقاء.
ذهبنا جميعًا إلى هناك مع شروق الشمس.
وفي مزرعة قديمة بعيدة، وقف رجل ينتظرنا.
شعره امتلأ بالشيب.
ووجهه تغير كثيرًا.
لكن أحمد عرفه فورًا.
جرى نحوه وهو يبكي.
وعانقه بعد فراق أكثر من عشرين سنة.
أما أنا فشعرت أن قطع اللغز كلها أخيرًا رجعت مكانها.
الحقيقة لم تكن خېانة.
ولا مؤامرة ضدي.
كانت قصة وعد قديم.
ووَصِيّة حملها أخ لأخيه.
ورجل قضى سنوات من عمره يحمي سرًا حتى يحين الوقت المناسب لكشفه.
أما البيت الأبيض...
فبعد ظهور الحقيقة كاملة وتسليم كل الأدلة للجهات المختصة، أُغلق نهائيًا.
وانتهى اللغز الذي حيّر الجميع لعقود.
ورجعت أنا وأحمد إلى بيتنا.
لكن المرة دي، لما حصل أول خلاف بينا بعد شهور، وقلت له مازحة
هتقول لي روحي عند أهلك كالعادة؟
ضحك لأول مرة من قلبه وقال
لا... الأسرار خلصت.
ثم أمسك يدي وأضاف
ومن النهارده، مهما زعلنا... هنواجه كل حاجة سوا.
تمت.