ابني ضړبني حكايات صافي هاني

موقع أيام نيوز

وعربيته، وهددوه بالحبس لو مكملش بقية الفلوس.
مستر جريفز بصلي وقال هو كلمني مبارح يا فندم. كان بيعيط.. بيترجى بس يدخل الكومباوند يشوفك خمس دقائق. بيقول إنه جاع وتعب، وإن الشغل الشاق هيدمره.
قفلت الملف براحة بالغة. حطيت إيدي على ضلوعي اللي ۏجعها اختفى من زمان، بس افتكرت اللحظة اللي رماني فيها وزقني زي الكلب وهو بيقولي يا ريتك كنتي فضلتي مفيدة يا أمي.
مستر جريفز، قلتها وصوتي مأتهزش شعرة، لما كالب جالي مبارح سنة وهو مديون، أنا ما قفلتش الباب في وشه عشان الفلوس.. أنا قفلته عشان ضړبني وهان شيبتي. الشغل الشاق مش هيدمره، الشغل الشاق هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليه بني آدم وتعرفه القرش بييجي إزاي.
بصيت من شباك المكتب الكبير على العربيات النقل اللي خارجة من المخازن محملة بالبضايع، وقلت مش هتدخل في حياته، ولا هيدخل حياتي. سيبه يشتغل ويدفع تمن طيشه. لما يخلص ديونه بعرق جبينه، ساعتها بس، يمكن أبقى أفكر إذا كنت هسامحه كإنسان.. إنما كابن؟ كالب ماټ في اليوم اللي مد إيده فيه عليا.
مستر جريفز ابتسم ونزل رأسه باحترام، وخد الملف ومشي.
سندت ضهري على الكرسي الجلد، خدت نفس طويل، وكملت مراجعة الورق اللي في إيدي. الحكاية مقفولة، والدرس اتعلمناه.. والي بنته الإيدين الشقيانة، مش هيهده عيل طايش.
بعد ست شهور كمان، وفي ليلة شتا باردة ومطيرة، كنت قاعدة في الصالون بقرأ كتاب، والبيت دافي وصوت المطر برة بيخبط على الشيش. فجأة، الأمن بتاع بوابة الكومباوند كلمني على الإنتركوم.
مدام ويتمور.. إحنا أسفين على الإزعاج في وقت زي ده، بس فيه واحد واقف برة البوابة بقاله ساعتين تحت المطر. مش راضي يمشي، ورجاله الأمن اتعاطفوا معاه لأنه مبهدل خالص وبيقول إنه ابنك ومش عايز فلوس.. عايز بس يشوفك.
سكتت لثواني. بصيت على ڼار الدفاية، وقلت لغفير البوابة خلوه يدخل.. بس فتشوه كويس، وهاتوه لحد باب الفيلا في عربية الجولف.
قمت وقفت ورا شباك الصالون الإزاز. شفته وهو نازل من العربية.. مكنش كالب اللي يتبغدد وبيركب عربيات سبور. كان راجل مكسور، ساند ضهره من البرد، لابس جاكيت قديم ومبلول مية بالكامل.
الباب اتفتح، ودخل وقف عند العتبة، مكنش راضي يدخل بجزمته الطين على السجاد الإيراني. بصلي وعينيه كانت مليانة دموع.. بس المرة دي دموع حقيقية، دموع واحد اتهرس في مفرمة الدنيا.
أمي.. صوته كان بيرعش من البرد والخۏف.
فضلت واقفة مكاني، حاطة إيدي في جيوب الروب، وبصيت له بجمود عايز إيه يا كالب؟
نزل على ركبه على الأرض الرخامنفس المكان اللي زقني فيه من سنة ونص. أنا مش جاي أطلب فلوس.. أنا سددت أخر مليم للۏجع الصامت اللي كنت مديون له. اشتغلت تلات ورديات في اليوم، شلت حديد وصناديق على ضهري لحد ما ضهري اتقوس. عرفت يعني
إيه قرش، وعرفت يعني إيه شقى.. وعرفت أنا عملت فيكي إيه.
بكى بحړقة وكمل أنا كنت كلب وغبي.. الفلوس كانت عمياني، وافتكرت إنك حيطة ما بتهدش. أنا مش عايز ورث، ولا عايز الشركة، أنا بس عايزك تسمحيني.. ناموسيتي مش بتشيلني بالليل وأنا فاكر منظر كتفك وهو بيخبط في السلم.
قربت منه ببطء، وقفت قدامه وبصيت على إيديه.. إيديه اللي كانت ناعمة وبتاعة مكاتب وساعات ماركة، دلوقتي بقت خشنة، ومجرحة، وفيها آثار شقا وتعب.
قوّم يا كالب، قلتها بنبرة هادية بس ناشفة.
وقف وهو بيترعش.
أنا مسمحاك على الۏجع.. بس الۏجع بيسيب أثر، والشرخ اللي في القلوب مبيتصلحش في قعدة. أنت سددت دينك للناس، بس دينك ليا مبيتسددش بكلمتين في ليلة مطيرة.
بصلي بلهفة أعمل إيه؟ أي حاجة هتقولي عليها هعملها.
الشركة محتاجة عمال في المخازن الرئيسية في بورسعيد.. شغل شيل وحط، باليومية، زيك زي أي عامل غريب. هتروح هناك، هتعيش في سكن العمال، ورئيس العمال هناك ما يعرفش أنت ابن مين، وممنوع تقول. لو ثبت نفسك ووريتني إن كالب القديم ماټ ودفنته، ساعتها هفكر أنقلك لمكتب إداري.. ومن هناك، خطوة بخطوة، يمكن ترجع تبقى ابني.
مسح دموعه وهز رأسه بسرعة وجنون موافق.. موافق يا أمي، والله موافق. من بكرة هكون هناك.
دلوقتي، ادخل المطبخ، الدادة عملت شوربة دافية، كل والبس حاجة ناشفة من حاجاتك القديمة، وبكرة الصبح السواق هيوصلك لمحطة القطر.
سابني ودخل على المطبخ وهو بيشكر ربنا. بصيت على مكانه الفاضي على الرخام.. لأول مرة حسيت إن روحه بدأت تنضف. أنا ما رمتوش في الڼار، أنا بس سيبته يستوي على ڼار هادية عشان يطلع راجل.. الراجل اللي هنري كان يتمنى يشوفه.

تم نسخ الرابط