بكرا فرح اختي الكاتب رومانى مكرم
المحتويات
حاجة.
كمل الشيخ
ولو كنت مت قبل ما أقول الحقيقة... سامحوا أخوكم. لأنه اتظلم عشاني.
انتهت الرسالة.
وساد صمت ثقيل.
ثوانٍ طويلة مرت كأنها ساعات.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
عمي الكبير رمى عصاه على الأرض.
ومشى ناحية أبويا.
وأبويا ثبت مكانه.
وفجأة...
فتح عمي ذراعيه واحتضنه بقوة.
احتضان هز الساحة كلها.
وبدأ يبكي وهو يقول
سامحنا يا أخويا... ضيعنا عمر كامل.
وانهار أعمامي واحدًا وراء الآخر.
وتحولت ليلة الحنة إلى ليلة صلح تاريخية.
الرجالة الكبار يبكوا.
والشباب اللي عمرهم ما شافوا آباءهم متصالحين يقفوا مذهولين.
وأهل العريس كانوا يتفرجوا على مشهد نادر عمرهم ما ينسوه.
وفي نهاية الليلة...
وقف أبويا وسط أخواته السبعة.
وأولادهم الأربعة عشر واقفين وراهم صف واحد.
والعروس خرجت تبص عليهم من الشباك.
فلما شافت العيلة كلها متجمعة لأول مرة من سنين، نزلت دموع الفرح من عينيها.
وقال عمي الكبير
الفرح الحقيقي النهارده مش الجواز... الفرح الحقيقي إن العيلة رجعت عيلة.
وانطلقت الزغاريد من جديد.
ورجع المزمار يدوي في الدوار.
لكن المرة دي...
ماكانش احتفال بعروس فقط.
كان احتفال برجوع إخوة فرقهم السر عشرين سنة... وجمعتهم بنت صغيرة في ليلة حنة ماحدش هينساها طول العمر. لكن اللي الناس كلها افتكرته نهاية الحكاية...
كان في الحقيقة بداية سر أكبر بكتير.
بعد ما خلصت الزغاريد، واتعانق أبويا وأعمامي، والفرحة رجعت للدوار، لاحظت حاجة غريبة.
الحج عبدالجواد كان واقف بعيد لوحده.
وشه ماكانش فيه فرحة الناس.
كان باصص لأبويا بنظرة فيها حيرة وخوف.
قربت منه وقلت
مالك يا حاج؟ الحمد لله الحق ظهر.
هز راسه ببطء وقال
الحق ظهر... لكن مش كله.
اتجمدت مكاني.
وقبل ما أسأله، لقيت أبويا جاي ناحيتنا بسرعة.
أول ما شاف الحج عبدالجواد بيتكلم معايا، وشه اتغير.
وقال بعصبية
يلا يا ولدي... الضيوف مستنيين.
لكن الشيخ رد عليه
هربت من الحقيقة عشرين سنة... هتهرب منها لحد إمتى؟
سكت أبويا.
وأول مرة أشوف الخۏف في عينه.
الخۏف الحقيقي.
في اللحظة دي بدأت أحس إن الأرض نفسها بتتحرك تحت رجلي.
لأن السر اللي فرق العيلة طلع كڈبة...
يبقى إيه الحاجة اللي لسه مستخبية؟
مرت الليلة كلها وأنا مراقب أبويا.
كل ما حد يضحك أو يبارك له، كان يبتسم.
لكن أول ما يفتكر كلام الشيخ، يسرح بعينه بعيد.
وكأنه شايل جبل فوق صدره.
وفي آخر الليل...
بعد ما معظم الناس مشيت.
طلب أبويا من أعمامي يدخلوا المندرة القديمة.
نفس المندرة اللي ما اجتمعوش فيها من أكتر من عشرين سنة.
دخلوا الثمانية.
وأغلقوا الباب.
ومنعوا أي حد يدخل.
حتى أنا.
ساعة...
واتنين...
وثلاث ساعات كاملة.
والباب مقفول.
وأصواتهم طالعة وواطية.
مرة حد يزعق.
ومرة حد يبكي.
ومرة صمت مخيف.
لحد ما قبل الفجر بشوية...
فتح الباب.
خرج أعمامي.
لكن ملامحهم كانت مختلفة.
مفيش ڠضب.
ولا فرحة.
فيه صدمة.
صدمة كبيرة.
عمي الكبير خرج أول واحد.
ولما شافني، حط إيده على كتفي وقال
خليك جنب أبوك الأيام الجاية.
قلت بقلق
ليه؟
رد بصوت مكسور
عشان الراجل شال حمل عمره كله لوحده.
ومشى.
أما أبويا...
فخرج آخر واحد.
وفي إيده صندوق خشب صغير قديم.
صندوق متآكل من الزمن.
أنا عمري ما شفته قبل كده.
حضنه لصدره كأنه أغلى حاجة في الدنيا.
وقبل ما يدخل البيت، بص للصندوق وقال
سامحني يا أمانة أبويا... خلاص جه وقتها.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت عربية تقف قدام الدوار.
نزل منها رجل غريب.
شعره أبيض.
ولابس بدلة سوداء.
وسأل بصوت مرتفع
مين فيكم محمود عبدالرحمن؟
رد أبويا
أنا.
أخرج الرجل ملفًا سميكًا.
وقال
أنا جاي أنفذ وصية اتأجل تنفيذها واحد وعشرين سنة كاملة.
وساعتها...
وقع الصندوق الخشبي من يد أبويا على الأرض.
وانفتح.
وتناثرت منه أوراق صفراء قديمة...
وصورة طفل صغير لا يعرفه أحد.
فشهقت أعمامي جميعًا في وقت واحد.
وقال عمي الكبير
معقول... لسه محتفظ بالصورة دي؟!
أما أنا...
فوقفت مكاني لا أفهم شيئًا.
من هو الطفل الموجود في الصورة؟
وما هي الوصية التي انتظرت واحدًا وعشرين سنة؟
ولماذا تغيرت وجوه أعمامي بمجرد رؤيتها؟
يتبع...تجمدت الساحة كلها.
الكل بقى يبص للصورة اللي وقعت من الصندوق.
طفل عنده يمكن خمس أو ست سنين.
واقف جنب جدّي الله يرحمه.
وصورة تانية لست
كبيرة في
متابعة القراءة