بكرا فرح اختي الكاتب رومانى مكرم

موقع أيام نيوز

صدري. وأول ما وصلنا لبوابة الدوار بتاعنا، حصلت الفجيعة اللي محدش كان يظنها واصل.
بمجرد ما عتبت رجلي أعمامي وأولادهم ساحة الدوار، خفت صوت المزمار شوي بشوي لحد ما انقطع خالص. الكلام جف في الحواج، والتفتت روس مئات الحاضرين من أهل العريس والمعازيم ناحية البوابة في ذهول ومصمصة شفايف. المشهد كان يقشعر ليه البدن؛ واحد وعشرين راجل من صلب راجل واحد، داخلين كتلة بشړية واحدة، تفيض بالهيبة والشموخ، يمشوا بخطوات رصينة هزت طين الساحة. الهمس اشتغل بين أهل العريس مين الجبال دول؟! مش قالوا مالهمش عزوة؟! دول عيلة يهدوا بلد!
الكاتب_رومانى_مكرم 
في اللحظة دي بالذات، كان بوي واجف في وسط الساحة، شايل في يده صينية النحاس وعليها الحجة والضيافة، مذهول من الصمت اللي حلّ فجأة في الفرح. دار ببطء ناحية البوابة عشان يشوف إيه الخبر وإيه اللي سَكّت المزمار.
وقع بصر بوي عليهم. جمد الډم في عروقه، واتسمر مكانه كيف الصنم، وسقطت صينية النحاس من يده لتتكسر على البلاط وتتحطم كاسات الشربات، وصوت رنتها كان هو الوحيد المسموع في الدوار كله. تلوّن وشه بألف لون، واهتز طوله بشدة وكأنه يشوف غُيّاب رجعوا من القپور بعد ما قطع الأمل فيهم. بص لأخواته السبعة اللي هجرهم وهجروه سنين وطال بيناتهم الجفا، وبص لأولادهم الأربعة عشر اللي كبروا وبقوا رجالة ماليين هدومهم وعصيهم في أيديهم.
تقدموا أعمامي بخطوات تقيلة وواثقة لحد ما بقوا على بعد خطوتين منه واجفين سد منيع، وعيونهم السودة مثبتة في عيونه.
وابويا اول ما شافهم..وقف فى وشهم وقال.. 
ياتره هيحصل ايه وابوه هيعمل ايه وايه السر الى بقاله سنين
وقف أبويا قدامهم، والناس كلها حابسة أنفاسها، مستنية كلمة واحدة ممكن تشعل ڼار سنين أو تطفيها.
بص لأكبر أعمامي،
وعينه لمعت بالدموع لأول مرة قدام الناس، وقال بصوت متحشرج
إنتوا جيتوا؟
سكتت الساحة كلها.
ورد عمي الكبير بهدوء
جينا عشان بنتنا... مش عشانك.
نزل أبويا رأسه للأرض.
وأنا لأول مرة أشوف الراجل اللي طول عمره قوي ومكسوروش الأيام، واقف بالشكل ده.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت لما عمي الكبير لف ناحية أهل العريس وقال بصوت جهوري
الليلة دي بنت أخونا... وبنتنا كلنا. واللي هيشرفها يشرفنا، واللي يزعلها يزعل واحد وعشرين راجل واقفين وراها.
دوى التصفيق في الساحة.
وأهل العريس بصوا لبعض باستغراب وإعجاب.
لكن فجأة...
خرج شيخ كبير جدًا من آخر الدوار.
كان راجل عجوز عدى التمانين سنة.
أول ما شافه أعمامي، سكتوا كلهم.
وأبويا وشه اصفر.
همس واحد من الكبار
يا ساتر... الحج عبدالجواد!
الراجل قرب بخطوات بطيئة، واتكأ على عصاه، وقال
بعد عشرين سنة... لسه محدش قال الحقيقة؟
الناس كلها اتلفتت.
وأنا حسيت إن السر اللي مزق العيلة طول السنين خلاص هيطلع.
رفع الشيخ عينه ناحية أبويا وقال
قولهم يا محمود... قولهم مين اللي ظلمك ومين اللي ظلمهم.
ارتجف صوت أبويا وهو يقول
خلاص يا حاج... اللي فات ماټ.
لكن الشيخ ضړب الأرض بعصاه.
لا... اللي فات هو سبب الليلة دي كلها.
وساعتها فتح جيبه وأخرج ظرفًا قديمًا أصفر اللون.
الظرف كان متقفل من أكتر من عشرين سنة.
وقال
الرسالة دي أبوكم كتبها قبل ما ېموت بيوم واحد.
شهقت العيلة كلها.
لأن جدنا ماټ فجأة، وماحدش عرف وقتها إنه ساب رسالة أصلًا.
فتح الشيخ الظرف ببطء.
والكل واقف كأنه تمثال.
وبدأ يقرأ
لو وصل الجواب ده لأولادي... أعرفوا إن محمود بريء.
في اللحظة دي اتجمد أعمامي مكانهم.
أما أبويا فاڼهارت دموعه.
وكمل الشيخ القراءة
الأرض اللي اټخانقتوا عليها ما باعهاش محمود... وأنا اللي بعتها بنفسي وسكت خوفًا من كلام الناس. ولما مرضت ما لحقتش أقول الحقيقة.
ارتفعت همهمات الصدمة.
أربعين فدان كانوا سبب القطيعة.
وعشرين سنة من الخصام.
وفي الآخر طلع أبويا ما عملش
تم نسخ الرابط