قطع 50 كيلومترًا ليطلب سلفة للكلية... فطرده خاله وألقى في وجهه حقيبة غيّرت حياته كلها
المحتويات
القرية.
راكب الدراجة.
لكنني لم أعد أنكسر.
لأنني كنت أعرف أن معركتي لم تعد مع الفقر وحده.
كانت معركة ضد مستقبل سُرق مني.
في السنة الأولى حصلت على المركز الأول.
وفي السنة الثانية حصلت على منحة دراسية.
وفي السنة الثالثة استدعاني عميد الكلية إلى مكتبه.
قال لي
علي، لماذا لا تدرس القانون؟ داخلك ڼار. وهذه الڼار تحتاج طريقًا صحيحًا.
في ذلك اليوم قررت.
سأصبح محاميًا.
لأنني فهمت أن الفقير إذا لم يكن يملك المال، فعليه على الأقل أن يملك القدرة على إثبات الحقيقة.
مرت السنوات.
بدأت لحيتي تظهر.
وقلّت ملامح الطفولة من وجهي.
وصار صوتي أكثر ثقلًا.
لكن الطفل الذي بداخلي كان يسأل أحيانًا
لماذا فعل خالي هذا؟
ولم يكن هناك جواب.
بعد تخرجي من كلية القانون، بدأت أعمل مع محامٍ معروف في بغداد.
في النهار بين المحاكم والدوائر.
وفي الليل بين الملفات.
وتعلمت شيئًا مهمًا.
الأوراق لا تكذب.
البشر ېكذبون.
لكن التواقيع تتكلم.
والتواريخ تتكلم.
وسجلات المصرف تتكلم.
بدأت أعد ملف قضيتي بنفسي.
مريم ضد سعد كريم.
لا.
علي جاسم ضد سعد كريم.
القضية لم تكن قضية مليونين وستمئة ألف دينار فقط.
فمع الفوائد عبر كل تلك السنوات، صار المبلغ أكبر بكثير.
لكن الچريمة كانت أكبر من المال.
كانت خېانة أمانة.
رجل حمل صفة الولي على طفل يتيم، ثم سحب ماله.
وتركه للجوع.
قدمت الدعوى في المحكمة.
ووصل التبليغ إلى بيت سعد كريم.
بعد سنوات طويلة، وقفت مرة أخرى أمام البيت الكريمي ذي الطابقين في بغداد.
كان البيت مطليًا من جديد.
والدراجة القديمة لم تعد موجودة.
مكانها سيارة حديثة.
والبوابة الحديدية السوداء نفسها ما زالت هناك.
لكن هذه المرة لم أكن الفتى المتعرق الذي يحمل ورقة قبول ممزقة.
ولم تكن يدي ممدودة أطلب سلفة.
كان في يدي تبليغ قضائي.
فُتح الباب.
وكانت أميرة تقف أمامي.
في البداية لم تعرفني.
ثم اتسعت عيناها.
قالت
أنت؟
قلت بهدوء
السلام عليكم خالتي.
ومن خلفها ظهر خالي سعد.
كان شعره أكثر بياضًا.
وبطنه أكبر.
وعيناه متعبتين.
قال اسمي
علي...
لكن صوته هذه المرة كان يحمل الخۏف.
مددت الورقة نحوه.
وقلت
خالي، هذا حساب مال أمي. نلتقي بالمحكمة.
سحبت أميرة الورقة من يده وقرأتها بسرعة.
احمر وجهها.
وقالت
هذا كڈب! إحنا ما ربيناك، صحيح، بس أمك ما تركت ولا فلس!
نظرت في عينيها.
وقلت
الأوراق تقول إنها تركت.
صړخت
الأوراق مزورة!
قلت
وسجل المصرف أيضًا مزور؟
كان خالي سعد صامتًا.
وصمته كان أكبر جواب.
ظلت أميرة تصرخ.
لكنني استدرت ومشيت.
لم أعد ذلك الولد الذي يقف عند الباب ويتوسل.
الآن الأبواب ستُفتح في المحكمة.
في أول جلسة، قال خالي سعد إن المال صُرف على رعايتي.
سأل المحامي
أين صُرف؟
قال
طعام، ملابس، مدرسة...
استدعى المحامي مختار القرية للشهادة.
وجاء الأستاذ حيدر.
وجاء صاحب الفرن.
وجاء صاحب الدكان.
وقالوا جميعًا
علي ربّى نفسه بنفسه.
ثم ظهرت سجلات المصرف.
ثم سجلات المدرسة.
ثم الطلب القديم الذي كتبته بيدي للحصول على مساعدة دراسية لأنني لا أملك رسومًا.
كل ورقة قطعت كڈبة.
كانت أميرة جالسة في المحكمة ووجهها يغلي من الڠضب.
وجاء ولداهما أيضًا.
كانا يرتديان ملابس أنيقة ويحملان هواتف حديثة.
همس الأكبر لأبيه
بابا، سوّوا تسوية. الڤضيحة راح تكبر.
الڤضيحة.
شعرت أنهم لم يكونوا خائفين من الذنب.
بل من الڤضيحة فقط.
في يوم الجلسة الأخيرة، كانت القاعة ممتلئة.
قرأ القاضي قراره طويلًا.
ثبت أن سعد كريم أساء استعمال الثقة والمعلومات التي كانت لديه بصفته وليًا على حساب طفل يتيم.
وصدر الحكم بإلزامه بإرجاع المبلغ مع الفوائد.
كما سُمِح لي بتحريك دعوى أخرى عن خېانة الأمانة والاحتيال.
جلس خالي سعد مكانه.
صار وجهه مثل الرماد.
أما أميرة، فلأول مرة رأيتها صامتة.
لكن داخلي لم ېصرخ فرحًا.
لم أشعر بانتصار كبير.
كان هناك فراغ غريب.
كأن الإنسان قد يفوز بمعركة طويلة، لكنه لا يستطيع استرجاع طفولته.
خارج المحكمة، اقترب مني خالي.
قال
علي...
توقفت
ونظرت إليه.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
قال
أنا أخطأت.
لم أقل شيئًا.
تابع بصوت متقطع
أميرة... وضع البيت... الأولاد... الطمع...
سألته بهدوء
وأنا؟
سكت.
قلت
أنا كنت وضع منو يا خالي؟ طفل منو؟ ډم منو؟
ارتجفت شفتاه.
وقال
سامحني.
نظرت إلى السماء.
كانت الغيوم تتجمع.
وكانت رائحة المطر قريبة.
نفس المطر الذي يشبه ليلة رحيل جدتي.
قلت
كان
متابعة القراءة