قطع 50 كيلومترًا ليطلب سلفة للكلية... فطرده خاله وألقى في وجهه حقيبة غيّرت حياته كلها

موقع أيام نيوز

ابنها علي جاسم لغرض تعليمه، وأن سعد كريم كان مُدرجًا فقط بوصفه وليًا ومطلعًا على الحساب.
جلست بلا حركة.
كنت قد قطعت خمسين كيلومترًا تحت الشمس على دراجة متهالكة لأطلب 150 ألف دينار فقط.
بينما أمي تركت لي مبلغًا يكفي لبدء حياتي الدراسية كلها.
حقي.
دراستي.
مستقبلي.
أين ذهب ذلك المال؟
من سحبه؟
ومتى؟
تحول الألم في داخلي إلى ڼار.
لم أنم تلك الليلة أبدًا.
مع أول الصباح، أخذت دفتر المصرف وذهبت إلى فرع المصرف في الناحية.
كان مبنى قديمًا.
المراوح تدور ببطء فوق رؤوس الناس.
والطابور طويل.
وعندما وصلت إلى الشباك، نظر الموظف إليّ من رأسي حتى قدميّ، ثم نظر إلى الدفتر.
قال
هذا حساب قديم جدًا.
ضممت يدي وقلت
أستاذ، أريد أعرف بس متى انسحب المبلغ ومنو سحبه.
فتح الحاسوب وبدأ يبحث.
ثم عقد حاجبيه.
قال
المبلغ كامل انسحب قبل حوالي خمس عشرة سنة.
شعرت أن أذني لم تعد تسمعان بوضوح.
سألته
منو سحبه؟
انحنى الموظف نحو الشاشة.
وقال
سعد كريم. بتوقيع الولي.
اضطررت أن أتمسك بحافة الشباك حتى لا أقع.
سألته بصوت مبحوح
أقدر أحصل نسخة من السجل؟
قال
السجلات القديمة صعبة، بس قدّم طلب. إذا الحساب باسمك وتثبت هويتك، نطلع لك كشف.
كانت لدي أوراق تثبت هويتي.
شهادة المدرسة.
وقيد قديم كانت جدتي تحتفظ به.
وأوراق أمي التي وجدتها في العلبة.
قدمت الطلب.
ثلاثة أيام وأنا أراجع المصرف.
وفي اليوم الثالث أخرج الموظف ورقة من ملف سميك.
كان عليها توقيع سعد كريم.
وكان المبلغ قد سُحب كاملًا.
وسُجّل السبب
لغرض رعاية وتعليم ابن الأخت علي جاسم.
ضحكت.
لأول مرة ضحكت من ذلك الألم.
ضحكة مرة جدًا.
رعايتي؟
تعليمي؟
أنا الذي ربّيت نفسي ببيع القناني والخردة.
أنا الذي نمت جائعًا.
أنا الذي حملت أكياس الرز كي أدفع مصاريف المدرسة.
وعلى الورق كُتب أن مالي صُرف على رعايتي وتعليمي.
سألني الموظف بهدوء
ابني، شنو القصة؟
لم أقل شيئًا.
أخذت النسخ وخرجت.
كان موعد دفع رسوم الكلية
بعد يومين فقط.
وما زلت لا أملك المال.
لكنني أصبحت أملك الحقيقة.
والحقيقة كانت ثقيلة جدًا.
لكنها لا تدفع الرسوم.
عدت إلى القرية وفي داخلي ظلام غريب.
كنت أظن أن خالي رفض مساعدتي فقط.
ثم اكتشفت أنه لم يرفضني فقط.
بل أخذ حقي أيضًا.
في تلك الليلة كنت جالسًا أمام المصباح الصغير.
وفجأة سمعت صوتًا من الخارج.
علي؟
فتحت الباب.
كان الواقف أمامي الأستاذ حيدر.
معلمي القديم في المدرسة.
الرجل نفسه الذي سمح لي أكثر من مرة أن أحضر الدروس رغم تأخر المصاريف.
والرجل نفسه الذي دفع من جيبه رسوم امتحاناتي في الصف الأخير.
ابتسم وقال
سمعت إن اسمك طلع بالكلية.
بقيت صامتًا.
نظر إلى وجهي.
ثم قال
وسمعت إن عندك مشكلة بالرسوم.
خفضت عيني.
سألني
شكد تحتاج؟
قلت بصوت خاڤت
150 ألف دينار.
سكت قليلًا.
ثم أخرج محفظة قماشية قديمة من جيبه.
وأخرج منها مبلغًا.
قال
هذا الموجود عندي الآن. والباقي أحچي ويا المدير وكم أستاذ بالمدرسة. ما نخليك تضيع.
رفعت رأسي بسرعة.
قلت
لا أستاذ. أرجعها لك. والله أرجعها، حتى لو بفوائد.
وضع يده على كتفي.
وقال
إذا تريد تدفع الفائدة، ادفعها بعلمك. يوم تصير قادر، ادفع رسوم طالب فقير ثاني.
في تلك الليلة بكيت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم أبكِ من الإهانة.
بل من الأمل.
في اليوم التالي، جمع أساتذة المدرسة تبرعات بصمت.
أحدهم أعطى عشرة آلاف.
وآخر أعطى خمسة آلاف.
صاحب الدكان الذي كنت أحمل عنده أكياس الرز أعطاني مبلغًا أكبر مما توقعت.
وصاحب الفرن الذي كنت أشتري منه الصمون والمعجنات وضع أجرتي عن يومين، وأضاف فوقها مبلغًا آخر.
قال لي
خذها. ومن باچر لا تبيع صمون. روح للكلية.
عندما أمسكت تلك الأوراق النقدية، شعرت أنها ليست مجرد مال.
كانت دعوات قرية كاملة.
دفعت رسوم التسجيل.
ودخلت الكلية.
لكن القصة لم تنتهِ هناك.
خبأت أوراق أمي تحت فراشي.
وبدأت حياتي في بغداد.
في النهار كلية.
وفي المساء عمل في مقهى صغير.
وفي الليل مكتبة ودراسة.
وفي العطل عمل بأي شيء أجده.
أحيانًا كان النوم يغلبني داخل المحاضرة.
وأحيانًا كنت أبقى بلا طعام.
وأحيانًا كان بعض الطلاب يسخرون مني.
صاحب الحقيبة القديمة.
ابن
تم نسخ الرابط