لم أثق بزوجتي يومًا
اليوم التالي بدأت أبحث خلف الأوراق التي رأيتها في منزل أمي.
أردت أن أعرف الحقيقة كاملة.
لا كما روتها هي.
بل كما كُتبت رسميًا.
تنقلت بين الدوائر الحكومية ومكاتب السجلات العقارية.
وقد ظننت أنني سأجد إجابة سريعة.
لكن ما وجدته كان أسوأ.
لم تكن مواجهة عاطفية.
بل مواجهة مع الأوراق.
والأختام.
والملفات.
والانتظار الطويل.
نسخ من المستندات.
طلبات رسمية.
رسوم يجب دفعها.
وأسماء تتكرر في كل ملف أفتحه.
اسم أمي.
واسم سامر.
واسم زوجة سامر أحيانًا.
أما اسمي...
فكان غائبًا في كل مرة.
وكل وثيقة جديدة كانت تؤكد الحقيقة نفسها.
الحقيقة التي كنت أقاوم تصديقها.
أموالي لم تعد أموالي.
لقد أصبحت ملكًا لأشخاص آخرين منذ سنوات.
ومن الناحية القانونية...
كانت القضية معقدة إلى درجة مؤلمة.
أما من الناحية الأخلاقية...
فلم يكن هناك أي غموض على الإطلاق.
عندما عدت إلى بغداد، تواصلت مع محامٍ رشحه لي أحد زملائي في العمل.
جلست أمامه ورويت له كل شيء.
قرأ الرسائل التي كانت بيني وبين أمي.
ثم رفع رأسه وقال بصراحة قاسېة
هل لديك عقد؟
هززت رأسي.
فسأل
ورقة تثبت أن المال كان وديعة؟
أو اتفاق مكتوب؟
أو أي رسالة تعترف فيها والدتك صراحة بأنها كانت تحتفظ بالمال نيابة عنك؟
أخرجت هاتفي وناولته له.
بدأ يقرأ الرسائل واحدة تلو الأخرى.
أموالك في أمان عندي.
لا تخبر زينب.
مدخراتك محفوظة عندي.
أعاد الهاتف إليّ.
ثم قال
هذه الرسائل قد تساعد.
لكنها لا تضمن شيئًا.
وإثبات حقك في هذه الأموال لن يكون سهلًا.
خصوصًا إذا ادعت والدتك أن المبالغ التي أرسلتها كانت مساعدات أو هبات للعائلة.
عندها سيصبح الأمر أكثر تعقيدًا.
ضحكت.
لكنها لم تكن ضحكة حقيقية.
وقلت
أمي قضت عمري كله تحذرني من الثقة بزوجتي.
ثم أضفت بمرارة
لكنها نسيت أن تعلمني أن أطلب منها إيصالًا عندما أعطيها مالي.
لم يبتسم المحامي.
بل قال
هذه مأساة كثير من العائلات.
يخلطون بين الثقة وغياب أي دليل.
خرجت من عنده وأنا أحمل ملفًا أكبر من ذي قبل.
ومعه حملت حقيقة جديدة.
لقد كنت أملك آلاف الحوالات والإيصالات.
لكن لا واحدة منها كانت تقول إن المال ما زال ملكي.
كلها كانت مجرد تحويلات.
أرقام.
وتواريخ.
ومبالغ خرجت من حسابي واختفت.
لا شيء فيها يقول
احتفظي بها لي.
ولا شيء فيها يقول
أعيديها عندما أطلبها.
ولا شيء فيها يقول
هذا هو مستقبلي كله.
بعد أسبوع عدت إلى شقتنا في بغداد.
فتحت الباب.
فوجدت زينب في غرفة الجلوس.
وكانت هناك صناديق موضوعة قرب الحائط.
ليست كثيرة.
لكنها كانت كافية.
تجمدت في مكاني.
ثم سألتها
هل ستغادرين؟
أجابت بهدوء
نعم.
شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدمي.
فقلت بسرعة
زينب... أرجوك.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت
أنا لا أغادر بسبب المال الذي ضاع.
صمتت لحظة.
ثم أضافت
أنا أغادر لأنك جعلتني طوال سنوات أدفع ثمن ذنب لم أرتكبه يومًا.
خفضت رأسي.
وقلت بصوت خاڤت
أعرف.
هزت رأسها ببطء.
ثم قالت
لا.
أنت بدأت بالكاد تفهم.
لكنك لا تعرف بعد حجم ما فعلته بنا.
اقتربت زينب من الطاولة.
ثم وضعت أمامي دفترًا أعرفه جيدًا.
دفتر المصروفات.
ذلك الدفتر الذي كانت تحمله معها منذ سنوات.
فتحته ببطء.
وكنت أظن أنني سأجد أرقامًا وحسابات فقط.
لكنني كنت مخطئًا.
كانت هناك ملاحظات صغيرة كتبتها بين الصفحات.
وتواريخ.
وجمل قصيرة.
أحمد لم يرغب في الحديث عن الادخار اليوم.
قال لاحقًا... مرة أخرى.
دفعت تكلفة إصلاح السخان.
اشتريت دواءً لوالدته.
أردت أن أسأله إن كان يثق بي... لكنني لم أستطع.
شعرت بشيء يعتصر صدري وأنا أقلب الصفحات.
ثم وصلت إلى نهاية الدفتر.
كانت الصفحات الأخيرة فارغة تمامًا.
رفعت رأسي إليها.
فقالت
توقفت عن الكتابة فيه منذ ستة أشهر.
سألتها
لماذا؟
أجابت بصوت هادئ
لأنني لم أعد أريد إدارة حياة أشعر فيها أنني مجرد ضيفة.
أغلقت الدفتر ببطء.
ثم جلست على الأريكة وكأن كل القوة غادرت جسدي.
وقلت
كنت أظن أنني أحمي نفسي.
هزت رأسها.
وقالت
أعرف.
ثم أضافت
وهنا تكمن المشكلة.
لقد حولتني إلى خطړ.
إلى شخص يجب الحذر منه.
رغم أنني لم أفعل شيئًا واحدًا يدفعك إلى ذلك.
أخفضت نظري إلى الأرض.
وقلت
أريد أن أتغير.
قالت
أتمنى ذلك.
رفعت رأسي نحوها بسرعة.
وسألت
ألا يمكننا أن نحاول من جديد؟
امتلأت عيناها بالدموع.
لكنها لم تقترب مني.
ولم تمد يدها نحوي.
بل قالت
يا أحمد...
لقد أحببتك بقلب مفتوح.
أما أنت