تركت ابنة أختي عندي 3 أيام... وفي أول عشاء سألتني: "خالي.. أقدر آكل اليوم؟!"
المحتويات
لا تصرخ.
أما أنا فاضطررت أن أنظر بعيدًا نحو أضواء الشارع، لأنني لو نظرت إلى أختي في تلك اللحظة لقلت شيئًا لن ينفع أحدًا. كانت المدينة ما زالت كما هي، بأضوائها وبيوتها ونوافذها، كأن العالم يستطيع أن يبقى جميلًا بينما طفلة تسأل هل مسموح لها أن تأكل.
تحدثت امرأة حماية الأسرة مع زهراء. وبعدها وصل موظفون من رعاية القاصرين. ذكروا كلمات بالكاد استطعت احتمالها إهمال رعاية، تعنيف، إجراءات حماية، تقييم نفسي، تمثيل قانوني للطفلة.
سلّمت زهراء هاتفها.
وهناك ظهر الأسوأ.
لم تكن الكاميرا وحدها.
كانت هناك رسائل من حسام إلى صديق له، يسخر فيها من العقوبات. صور للقائمة. تسجيلات صوتية يقول فيها لزهراء إن الطفلة إما تُكسر مبكرًا أو تصبح بلا فائدة. وفيديو لزينة وهي تبكي خلف باب، بينما هو يضع كرسيًا من الخارج ويقول لها إن البنات المؤدبات لا يسببن المشاكل.
لم يسمحوا لي أن أرى المزيد.
والحمد لله.
ذهبت الشرطة للبحث عن الكرسي في بيت زهراء في تلك الليلة نفسها. زهراء وافقت على دخولهم. أما أنا فذهبت مع زينة في سيارة الإسعاف لإجراء فحص، رغم أنها لم تكن تريد أن تترك قميصي. في مستشفى الطفل المركزي فحصوا بطنها، ونسبة الجفاف، والكدمات الصغيرة التي كانت تفسرها بعبارة
وقعت.
كل وقعت كانت حجرًا جديدًا فوق صدري.
عند السادسة صباحًا، بدأت بغداد تستيقظ.
من نافذة المستشفى دخل ضوء رمادي. في الخارج كان أحدهم يبيع الشاي والكعك للناس الذين قضوا الليل ينتظرون أخبار أحبتهم. رائحة الخبز الساخن جعلتني أبكي فجأة، لأنني فكرت في كل المرات التي نشتري فيها الطعام بلا تفكير، وفي زينة وهي تسأل إن كانوا سيتركونها تأكل غدًا أيضًا.
كانت نائمة على سرير الفحص ببطانية وردية.
وتقبض على إصبعي.
جلست زهراء في الجهة الأخرى من السرير، دون أن ټلمسها. عيناها متورمتان، ونظرتها نظرة إنسانة رأت ذنبها كاملًا بلا أعذار.
سألتني
لن يتركوها معي، صحيح؟
قلت
لا أعرف.
قالت، وارتجف صوتها
لا بأس. لا يتركوها معي حتى أتعلم كيف أكون أمها.
كانت تلك أول جملة صحيحة أسمعها منها منذ وقت طويل.
الأيام التالية كانت أيام مراكز وبلاغات وتعب. ذهبنا إلى مركز حماية الأسرة، ثم إلى المحكمة، ثم إلى دائرة رعاية القاصرين. تعلمت أن العدالة لا تأتي كما في الأفلام، بموسيقى ونهاية مثالية. تأتي بنسخ أوراق، وتواقيع، وقاعات انتظار، وأخصائيات نفسيات يتحدثن بهدوء، وباحثات اجتماعيات ينظرن في العين، وطفلة ترسم بيتًا بلا أبواب.
حسام حاول الدفاع عن نفسه.
قال إن كل شيء كان تربية.
وقال إن زهراء غير مستقرة.
وقال إنني أريد الاحتفاظ بزينة لأعاقب أختي.
لكن العلبة السوداء تحت الكرسي كانت تحتوي على ذاكرة. وفي تلك الذاكرة كان صوته. صوته الهادئ. صوته الحقيقي. ذلك الصوت الذي يقرر متى تأكل طفلة ومتى لا يكون لها إلا الماء.
تم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.
لم أفهم كل المصطلحات، لكنني فهمت جيدًا عندما قالت لي محامية من رعاية القاصرين
حاليًا، زينة لن تعود إلى ذلك البيت.
شعرت أن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
وقّعت زهراء كل ما كان عليها توقيعه. وافقت على العلاج النفسي، وإجراءات الحماية، والإشراف. لم تنازع على الرعاية المؤقتة. نظرت إليّ ونحن نخرج من الجلسة وقالت
اعتنِ بها أفضل مما استطعت أنا.
قلت لها
هذا ليس صعبًا.
تألمت.
وتألمت أنا أيضًا.
لكنها كانت الحقيقة.
بقيت زينة عندي.
في
البداية كانت تخبئ الخبز تحت الوسادة. وقطع الخبز داخل الأدراج. وموزة خلف علبة الألوان. قالت لي الأخصائية النفسية ألا أوبخها، وأن جسدها يتعلم أن الطعام لا يختفي كعقۏبة.
لذلك كنت أترك لها كل ليلة سلة صغيرة قرب السرير.
تفاحة.
بسكويت مالح.
كوب ماء.
وورقة بخط كبير
يمكنكِ أن تأكلي عندما تشعرين بالجوع.
في أول مرة
متابعة القراءة