تركت ابنة أختي عندي 3 أيام... وفي أول عشاء سألتني: "خالي.. أقدر آكل اليوم؟!"
المحتويات
أقسم لك أنني لم أكن أعرف بأمر الكاميرا. لكن نعم، سمحت له أن يتركها بلا عشاء. كان يقول لي إن زينة تتلاعب بنا، وإنني إذا لم أكن حازمة ستكبر بطريقة سيئة. كنت متعبة يا حيدر. كنت خائڤة. كنت أعتمد عليه. وفي يوم من الأيام توقفت عن الدفاع عن ابنتي.
أردت أن أكرهها.
وفي تلك اللحظة كرهتها فعلًا.
لكن زينة، التي لم تفهم كل شيء، سمعت بكاء أمها عبر الهاتف وهمست
ماما حزينة.
وهذا حطمني أكثر.
في الخارج سُمعت صفارة بعيدة.
ثم صفارة أخرى.
في بغداد ليلًا، ترتد أصوات الصفارات بين الشوارع بطريقة غريبة. تبدو قريبة وبعيدة في الوقت نفسه، كأنها تأتي من الكرادة ومن الجادرية ومن شارع السعدون في لحظة واحدة. حسام سمعها أيضًا.
توقف عن دفع الباب.
قال، وقد اختفى صوته اللطيف
حيدر، فكر جيدًا فيما تفعله. هذه الطفلة ليست ابنتك.
فتحت كاميرا الهاتف وبدأت أصور من فتحة صغيرة.
قلت له
قلها مرة ثانية. قلها حتى تسمعها الشرطة.
ساد صمت آخر.
ثم ضحك حسام.
لا تملك شيئًا.
عندها ابتعدت زينة عني، وهي ما زالت مبللة وترتجف، وشدت كمي.
قالت
خالي... بالكرسي.
ماذا؟
تحت الكرسي.
لم أفهم حتى أشارت بإصبعها الصغير نحو الباب.
الكرسي.
ذلك الذي كان يضعه عند باب غرفتها.
سألتها
ماذا يوجد تحت الكرسي يا زينة؟
ابتلعت ريقها.
العلبة السوداء. يخفيها هناك عندما ماما تنظف.
سمع حسام.
وضړب الباب بقوة جعلت الخشب ينشق قليلًا قرب الإطار.
اسكتي!
تلك الكلمة، عندما صرخها في وجه طفلة عمرها خمس سنوات، كانت ما نزع الخۏف من داخلي.
لم أفتح.
لم أخرج.
لم أتصرف كبطل.
فقط وضعت جسدي بين الباب وزينة، بينما توقفت سيارات الشرطة في الخارج وبدأ الجيران
يطلون من النوافذ. أم علي، جارتنا في البيت المقابل التي تبيع المعجنات صباح الجمعة وتعرف أخبار الحي قبل الجميع، صړخت من الرصيف
الشرطة وصلت يا عديم الرحمة!
ركض حسام نحو المخرج.
لكنه لم يبتعد كثيرًا.
دخل شرطيان بحذر، أحدهما من الباب الرئيسي والآخر من الممر الجانبي المؤدي إلى الحوش. أمراه أن ينبطح على الأرض. رفع حسام يديه فورًا، كأنه هو ضحېة سوء تفاهم.
قال
حضرات الشرطة، أنا مثل والدها. جئت آخذ الطفلة لأنهم يخفونها عني.
صړخت من داخل الغرفة
ليس والدها ولا وصيًا عليها. لا يملك أي حق عليها. الطفلة مړعوپة منه.
وعندما استطعت أخيرًا أن أزيح الغسالة وأفتح الباب، تشبثت زينة بساقي. انحنى أحد عناصر الشرطة ليحدثها، لكنها اختبأت خلفي.
قلت
لا تلمسوها... أرجوكم.
وصلت امرأة من وحدة حماية الأسرة. لم تكن ملامحها باردة كموظفة تؤدي إجراءً روتينيًا. كانت تحمل بطانية خفيفة، وقنينة ماء، وصوتًا هادئًا لا يقتحم خوف أحد. سألت زينة إن كانت تريد الجلوس. لم تقل لها لا تبكي. لم تقل لها كوني قوية. فقط قالت
هنا أنتِ تختارين إذا تريدين الكلام الآن أو بعد قليل.
نظرت إليها زينة كأنها تعرض عليها لغة جديدة.
بعد نصف ساعة، بدا بيتي كأنه مشهد لا يخصني. شريط تحذير، سيارة شرطة، جيران بملابس النوم، وضوء غرفة الطعام البارد مسلط على الشوربة التي بردت تمامًا. كان حسام جالسًا على الرصيف، مقيد اليدين، يرتدي القميص الأزرق نفسه الذي كان يلبسه عندما يأتي بالورود في الزيارات العائلية.
لم يعد يبتسم.
وصلت زهراء قرب الثانية فجرًا.
لم تكن قادمة من البصرة.
كانت قادمة من بيت زميلة لها في المنصور، حيث أمضت اليوم كله وهي تجمع شجاعتها لتقدم بلاغًا. نزلت من سيارة أجرة، شعرها مبعثر، بلا مكياج، وبلوزتها مجعدة. وما إن رأت زينة حتى اڼهارت.
بنتي.
زينة لم تركض نحوها.
بقيت ملتصقة بي.
زهراء فهمت.
توقفت على بعد ثلاث خطوات، ثم وقعت على ركبتيها فوق الرصيف.
قالت
سامحيني... سامحيني يا زينة. كان لازم أحميك.
نظرت الطفلة إلى الأرض.
اليوم أكلت، ماما؟
وضعت زهراء يدها على فمها حتى
متابعة القراءة