جاء ليسكن في بيتي وكأنني متّ… لكنه نسي أن البيت باسمي أنا
وهمًا.
وهم أن يأتي يوم يراني فيه إنسانة بدون أن أضع له حدودًا أولًا.
لا تعودي تكلّميني بهذه الطريقة قال بين أسنانه.
إذًا لا تعود تعاملني بهذه الطريقة أجبت.
بدأ العمال يعيدون الكراتين إلى الشاحنة.
ذهبت أم مريم وجلست بتعب على طرف الرصيف، منزعجة لكن ليس مني.
أما مريم، فأدخلت الأطفال إلى السيارة بصمت.
وغادرت زوجة أخي وهي تتمتم عن زمن غريب، وكأن المشكلة كانت في شخصيتي، لا في اعتياد الناس على دخول حياة المرأة بدون إذنها.
كان هيثم آخر من تحرك.
وقف أمامي على الرصيف، ذراعاه متدليتان ونفسه قصير.
ولثانية واحدة رأيت الطفل الذي كانه يومًا.
ذلك الصغير الذي كان ينتظرني مستيقظًا عندما أعود من تنظيف بيوت الناس.
الذي كان ينام ممسكًا بمريولي عندما لا يجد من يعتني به.
وألمني ذلك لدرجة أنني اضطررت أن أثبت قدمي على الأرض حتى لا أضعف.
ستندمين على هذا قال.
هززت رأسي.
لا. الشيء الوحيد الذي أندم عليه أنني علمتك لسنوات أنك تستطيع أن تأخذ دون أن تسأل.
صعدت الدرجة الأولى.
ثم الثانية.
وضعت الملف تحت ذراعي.
وقبل أن أدخل، الټفت نحوه للمرة الأخيرة.
المرة القادمة التي تريد أن تراني فيها دق الجرس أولًا.
وأغلقت الباب.
لم أصفعه.
لم أبكِ.
ولم أنهر في الصالة كما في المسلسلات.
بقيت واقفة خلف الباب، يدي فوق القفل الجديد، أستمع إلى تأخر الشاحنة في المغادرة.
إلى أصوات المحركات.
إلى الضجيج وهو يبتعد تدريجيًا عن رصيفي وعن صدري.
بعدها دخلت المطبخ.
وضعت الماء للقهوة.
كانت يداي ترتجفان، فجلست دقيقة حتى يغلي الماء.
نظرت إلى الطاولة.
إلى الكنبة.
إلى ماكينة الخياطة.
إلى الأقمشة المرتبة حسب اللون.
كل شيء بقي في مكانه.
ومع ذلك، لم يعد شيء كما كان.
لأن هذه الأشياء لم تعد مجرد أغراض
بل أصبحت الدليل على أنني ما زلت أملك حق اختيار الحياة التي أريد أن أعيشها.
في تلك الليلة، أرسلت مريم رسالة.
سامحيني. أنا لم أكن أعرف. شكرًا لأنك قلت الحقيقة رغم أنها تؤلم.
لم أرد فورًا.
وضعت فقط قلبًا صغيرًا بعد وقت طويل، عندما عاد البيت إلى صمته.
بعد ثلاثة أسابيع، يوم ثلاثاء عند السادسة والربع مساءً، رنّ الجرس.
لم يدخل أحد بدون استئذان.
لم ېصرخ أحد باسمي من الباب.
ولم يحاول أحد فتح المقبض وكأن البيت ما يزال ملكه.
بل رنّ الجرس.
ذهبت ببطء.
نظرت من النافذة.
كان هيثم وحده.
يحمل كيس خبز بيده، ورأسه منخفض أكثر مما رأيته منذ سنوات.
لم أفتح فورًا.
تركته ينتظر بما يكفي حتى يفهم أن طرق الباب يعني أيضًا قبول أن الشخص خلفه يملك حق القرار.
وعندما فتحت أخيرًا، لم أفتح الباب كاملًا.
فقط بالقدر اللازم.
مساء الخير يمّه قال.
ليس
افتحي عدل.
ولا
ابتعدي.
ولا
كل شيء محسوم.
بل
مساء الخير يمّه.
ورغم أن الألم لا يختفي بجملة واحدة، عرفت أن شيئًا بدأ يتحرك
ليس داخل بيتي.
بل داخله هو.
مساء النور أجبت.
ممكن أدخل؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم نظرت إلى يديه الفارغتين من الغرور المشغولتين فقط بكيس خبز حلو، يبدو أنه اشتراه بارتباك أكثر من المال.
ولأول مرة منذ سنوات
طويلة
كان القرار قراري أنا.