دفعت لعائلتي طول عمري… لكن الذي فعلوه بوالدي داخل البيت كسر شيئًا بداخلي
دون صړاخ.
من دون حقائب.
من دون ورقة توزيع الغرف.
لأول مرة منذ سنوات شعرت أنني لا أدفع ثمن شيء وأنا جالس معهم.
لكن المشكلة لم تنتهِ بسرعة.
هبة استمرت بإرسال الرسائل.
وأقاربنا بدأوا يتدخلون.
إحدى خالاتي اتصلت بي لتقول إن الأخ يجب أن يساعد أخته.
سألتها بهدوء
هل تريدين استقبال هبة وكريم والأطفال في بيتك؟
سكتت فورًا.
بعد أسبوع حاول كريم العودة إلى البيت.
كنت في بغداد وقتها.
الكاميرات أظهرتْه وهو يدفع الباب وېصرخ بأن البيت من حق أولاده.
لكن أبي لم يفتح له.
ولا أمي.
اتصلا بالحارس ثم بالشرطة.
وعندما وصلت إلى البصرة مساءً، وجدتهما جالسين في الصالة يشربان الشاي.
أمي وضعت زهورًا جديدة قرب النافذة.
وأبي كان يصلح إحدى النخلتين بعصا خشبية صغيرة.
قالت أمي فور أن رأتني
لم نفتح له.
قالتها بفخر طفولي صغير.
ابتسمت.
فعلتما الصواب.
ضحك أبي لأول مرة منذ أيام.
أمك كانت تريد أن ترش عليه الماء من الشرفة.
نظرت إليه أمي پغضب خفيف.
لا تكذب.
ضحكت.
ضحكة حقيقية هذه المرة.
مرت الشهور ببطء.
ثم انفصلت هبة عن كريم بعد أن خسر مالًا جديدًا في مشروع فاشل.
لم أشعر بالشماتة.
لكنني أيضًا لم أعد ذلك الشخص الذي يركض لإنقاذ الجميع.
ساعدت الأطفال فقط.
دفعت تكاليف المدرسة والعلاج النفسي مباشرة.
من دون إعطاء هبة مالًا بيدها.
اتصلت بي تبكي.
في الماضي كنت تعطيني المال فورًا.
أجبتها بهدوء
في الماضي كنت أضع الحدود متأخرًا.
لم يعجبها الكلام.
لكنها سكتت.
مع الوقت بدأت تتغير قليلًا.
ليس كثيرًا.
لكنها صارت ترسل رسائل مختلفة أحيانًا.
أمي سقت النخلتين اليوم.
الأطفال يشتاقون لجدّهما.
شكرًا لأنك لم تتركهم.
كنت أرد باختصار.
من دون أن أفتح الباب واسعًا من جديد.
أما أبي وأمي فبقيا في البيت فعلًا.
أبي صار يذهب صباحًا إلى السوق القريب ويعود بأسماك طازجة كأنه عاش هناك منذ عمر.
وأمي تعرفت على نساء في الحي، يخرجن صباحًا للمشي قرب الماء ثم يشربن الشاي معًا.
أما البيت
فصار أخيرًا يشبه ما حلمت به منذ البداية.
رائحة قهوة.
هواء رطب.
هدوء.
في أحد الأيام وصلت من بغداد دون أن أخبرهما.
وجدت أبي يقص الأغصان اليابسة من الحديقة الصغيرة.
وأمي داخل المطبخ.
لا توجد حقائب.
لا توجد دموع.
لا توجد ورقة تقسّم الغرف.
فقط بيت هادئ.
رأتني أمي وابتسمت.
وصل صاحب البيت.
هززت رأسي.
لا وصل الابن.
ترك أبي المقص جانبًا.
والابن سيتغدى معنا.
جلسنا في الشرفة.
الهواء كان دافئًا، والنخلتان تتحركان بهدوء.
نظرت إلى والديّ.
ثم تذكرت تلك الورقة القديمة
غرفة الخدمة الجد والجدة.
ما زلت أحتفظ بها داخل الملف الأسود.
ليس بسبب الكره.
بل حتى لا أنسى.
لأن البيت لا تحميه الجدران فقط.
تحميه الحدود أيضًا.
وتحميه القدرة على قول لا في الوقت المناسب.
في تلك الليلة نمت في غرفة الضيوف.
وصوت الماء كان يدخل من النافذة بهدوء.
لم يكن يشبه الانتصار.
كان أفضل من ذلك.
كان يشبه الراحة.
راحة أبي وأمي داخل غرفتهما.
وراحة رجل توقف أخيرًا عن دفع ثمن أخطاء الجميع وحده.