دفعت لعائلتي طول عمري… لكن الذي فعلوه بوالدي داخل البيت كسر شيئًا بداخلي
المحتويات
لكن هذا البيت ليس جائزة لأحد ولا عقابًا لنا لأننا كبرنا في السن.
اقترب أبي منها وأمسك يدها.
وكان ذلك المشهد أثمن من كل الأوراق التي أحضرتها معي.
عندما خرجت سيارة كريم أخيرًا من أمام البيت، لم يبقَ خلفها سلام.
بل فوضى.
آثار صناديق على الأرض.
رمل قرب الباب.
وبقعة عصير فوق الطاولة.
وغرفة نوم والديّ مبعثرة.
والنخلتان مائلتان كأنهما تعرضتا للدفع.
جلست أمي على الكرسي.
سامحني يا ابني.
خلعت الجاكيت.
فظهرت آثار الډم الجاف على كمّ ملابس العمليات.
رأتها أمي ووضعت يدها على فمها.
كنت قادمًا من العمل.
نعم.
ونحن
اتصلتما بي. وهذا كان الصحيح.
بقي أبي صامتًا.
اقتربت منه.
أبي.
تأخر قبل أن ينظر إليّ.
شعرت بالخجل قال أنت اشتريت هذا البيت حتى نرتاح وأنا سمحت لذلك الرجل أن يرسلني إلى غرفة الخدمة.
وانكسرت نبرة صوته.
ذلك الرجل الذي تحمل سنين طويلة داخل الورشة دون شكوى بكى كطفل متعب.
احتضنته.
ولم أتذكر آخر مرة احتضنته فيها بهذا الشكل.
أنت لم تسمح قلت أنت فقط تعبت.
ثم انضمت إلينا أمي.
وبقينا هكذا وسط المطبخ المليء بالرمل، بينما الهواء القادم من الشط يدخل بهدوء من الشرفة.
وفي الخارج كانت الحياة تكمل طريقها كأن شيئًا لم يحدث.
في صباح اليوم التالي، أخذت أبي وأمي إلى كورنيش البصرة.
لم يكن الهدف التنزه.
كنت فقط أريد أن أُخرجهما من البيت قليلًا، قبل أن يلتصق الخۏف بالجدران.
مشينا ببطء قرب الماء.
الهواء كان رطبًا وخفيفًا، وصوت المراكب الصغيرة يأتي من بعيد.
أمي اشترت عصير تمر هندي من بائع يقف قرب الرصيف.
أما أبي فكان ينظر إلى الشط بصمت، وكأنه يحاول أن يستوعب أن البيت ما زال له.
جلسنا على مقعد قديم يطل على الماء.
قالت أمي فجأة
لا أريدك أن تكره أختك.
أطلقت تنهيدة طويلة.
أمي
أعرف ما فعلته. لكن تبقى ابنتي.
نظرت إليها.
وأنتِ تبقين أمي. لهذا لن أسمح لأحد أن يهينك مرة أخرى.
أبي هز رأسه بهدوء.
أمك معها حق في شيء واحد لا يجب أن نكرهها. لكن أيضًا لا يجب أن نفتح الباب لها كل مرة.
التفتت أمي نحوه باستغراب.
أما هو فبقي ينظر إلى الماء.
أحبها لكنها لم تعد تعرف حدودها.
وضعت أمي يدها فوق يده.
ذلك المشهد وحده جعلني أشعر أن شيئًا تغيّر أخيرًا.
عدنا إلى البيت عصرًا.
غيّرت الأقفال كلها.
وركّبت كاميرات عند المدخل.
ليس لأنني أريد مراقبة والديّ.
بل لأنني أردت أن يشعرَا بالأمان.
أما المحامي فكتب ورقة رسمية واضحة
لا يحق لأي شخص السكن داخل البيت أو تغيير الغرف أو نقل الأثاث دون موافقة خطية مني ومن والديّ.
وقّعت أمي أولًا.
ثم أبي.
كانت يده ترتجف قليلًا، لكنه وقّع.
قالت أمي بصوت منخفض
هذا ليس ضد هبة.
أجاب المحامي
بل لحمايتكما.
بعد يومين اتصلت هبة.
لم أجب.
ثم بدأت الرسائل.
الأطفال يبكون بسببك.
كريم يقول إنه سيرفع قضية.
أمي تغيرت بسبتك.
أبي لم يعد كما كان.
ثم رسالة أخرى
أنت دائمًا تحاول شراء العائلة بالمال.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
لأنها آلمتني.
ليس لأنها صحيحة.
بل لأنها لمست شيئًا كنت أخاف التفكير فيه منذ سنوات.
هل كنت أدفع دائمًا حتى أشعر أن لي قيمة داخل البيت؟
في تلك الليلة جلست وحدي في الشرفة.
الهواء الرطب يتحرك بين النخلتين، وصوت الماء يصل خافتًا من
بعيد.
خرج أبي وجلس بجانبي.
هبة كتبت لك شيئًا أزعجك صحيح؟
نعم.
بقي صامتًا لحظات.
ثم قال
أنت لست مسؤولًا عن إصلاح حياة الجميع.
أعرف.
هز رأسه ببطء.
تعرفها بعقلك لا بقلبك.
لم أتكلم.
نظر إلى يديه طويلًا.
أنا أيضًا تعودت عليك أكثر مما يجب.
رفعت رأسي نحوه.
أبي
كلما عجزت عن شيء، تركتك تحمله عني. وبعد سنوات نسيت أن أسألك إن كنت متعبًا.
شعرت بشيء يضغط صدري.
أبي ليس رجلًا كثير الكلام.
ولهذا كانت كلماته ثقيلة دائمًا.
كنت متعبًا فعلًا قلت.
أومأ برأسه.
أعرف.
خرج صوت أمي من الداخل
العشاء جاهز.
دخلنا إلى المطبخ.
أمي كانت قد أعدّت السمك والرز، وكأنها تحاول أن تعيد للحياة شكلها الطبيعي.
جلسنا نحن الثلاثة حول الطاولة.
من
متابعة القراءة